في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، شهدت الساحة السياسية السودانية حدثاً بارزاً تمثل في أداء الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، اليمين الدستورية رئيساً للمجلس الرئاسي لحكومة “تأسيس”، إلى جانب نائبه عبد العزيز الحلو وأعضاء المجلس البالغ عددهم خمسة عشر عضواً، من بينهم حكام ثمانية أقاليم. مراسم القسم جرت يوم السبت بحضور رئيس القضاء مولانا رمضان إبراهيم شميلة، حيث أدى حميدتي القسم أمامه مباشرة، فيما أدى بقية الأعضاء القسم أمام رئيس المجلس ورئيس القضاء، في خطوة تعكس بدء مرحلة جديدة ضمن ترتيبات حكومة السلام.
وفي كلمة مصورة عقب أداء القسم، عبّر حميدتي عن تقديره العميق لمعاناة المواطنين في مختلف أنحاء البلاد، مشيراً إلى التحديات التي تواجههم في الحصول على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. وأكد استعداد الحكومة للتعاون الكامل مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، بهدف تسهيل إيصال المساعدات إلى جميع المناطق المتضررة، متعهداً بتأمين مرور القوافل الإغاثية وحماية العاملين في المجال الإنساني.
ورغم هذه التصريحات، تواصل جهات دولية توجيه اتهامات لقوات الدعم السريع بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى مدينة الفاشر، وهي الاتهامات التي لم يتطرق إليها حميدتي بشكل مباشر في خطابه، لكنه شدد على التزام حكومته ببناء علاقات متوازنة مع دول الجوار، تقوم على المصالح المشتركة، واحترام الأمن والسلم الدوليين، إلى جانب الالتزام الكامل بالمواثيق الدولية.
وفي سياق حديثه، أعلن رئيس المجلس الرئاسي أن حكومة “تأسيس” تسعى إلى إنهاء عقود من الصراعات والحروب التي أنهكت البلاد، مؤكداً أن الهدف الأساسي يتمثل في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية علمانية تضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين، وتمنع تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي. كما أشار إلى أن الحكومة الجديدة تلتزم بحماية حقوق الإنسان، وترسيخ دولة القانون، وتكفل للمواطنين حرية اختيار القوانين التي تحكمهم دون إكراه.
ويعكس تشكيل المجلس الرئاسي، الذي يضم حكاماً إقليميين ضمن عضويته، رؤية تحالف تأسيس السودان لنظام حكم لا مركزي، يهدف إلى توزيع السلطات بشكل عادل بين مختلف الأقاليم. ووفقاً لبيان صادر عن التحالف، فإن تنصيب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام تم بموجب الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لعام 2025، الذي ألغى الوثيقة الدستورية الانتقالية لعام 2019، إلى جانب جميع القوانين والمراسيم والقرارات السابقة، في إطار إعادة صياغة المرجعيات القانونية التي تحكم المرحلة المقبلة.
ويحدد الدستور الجديد مجموعة من المسؤوليات الأساسية لحكومة السلام الانتقالية، من بينها وقف الحروب، وتحقيق سلام عادل ودائم، وتأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة تضمن التعددية والعدالة.
وفي جانب رمزي من مراسم القسم، كشفت مصادر أن المصحف الذي أدى عليه حميدتي القسم هو ذاته الذي استخدمته لجنة الطوارئ الاقتصادية برئاسته في قاعدة الصداقة عام 2023، وهو مصحف أثري أثار جدلاً واسعاً حينها على منصات التواصل الاجتماعي. ووفقاً لما أوردته قناة “السودانية نيوز”، فإن هذا المصحف يُعد من أندر المصاحف المكتوبة يدوياً، وتُصنع صفحاته من جلد غزال، ويعود تاريخه إلى ما قبل اكتشاف الورق، ويُورث من شيخ حافظ إلى آخر.
ويُكتب هذا المصحف بخط اليد من قبل شخص يشترط أن تكون أسرته جميعها من حفظة القرآن الكريم، ويُكتب من الذاكرة دون نسخ أو نقل من أي مصدر آخر، مع الالتزام الكامل بقواعد الإملاء والنحو والتشكيل والتجويد. ويُشترط أن يكون الكاتب صائماً أثناء الكتابة، وتستغرق عملية إنجازه نحو ثلاث سنوات، وبعد الانتهاء تتم مراجعته بدقة للتأكد من خلوه من الأخطاء، ثم يُسلّم للشيخ أو الإمام في المنطقة.
ويُستخدم هذا المصحف في أداء القسم في المناسبات الرسمية، كما يُستحضر في حالات الإنكار أمام الاتهامات الجنائية مثل السرقة أو القتل أو الزنا، حيث يُطلب من المتهم الحلف عليه لإثبات براءته. وتُروى عنه قصص تشير إلى أن من يؤدي القسم عليه كذباً يُصاب بالجنون أو الشلل أو الوفاة، ويُعتقد أن سر المصحف يكمن في ختمه بدعاء اللعنة على الحالف الكاذب. وتؤكد المصادر أن حميدتي يمتلك هذا المصحف النادر، الذي كُتب بخط يد أحد مشايخ دارفور، ويُعد من المصاحف القليلة جداً المتوارثة في الإقليم.



