





كتب: المستشار معاوية أبوالريش
انتهيت للتو من الجزء الأول من كتاب الدكتور محمد حسين كسلا “محطات في حياتي”، وأحببت أن أدوّن ما استقر في ذهني منه، لا كناقل لكلماته، بل كقارئ حاول أن يستوعب روح الرجل من بين سطوره، ويعيد صياغة ما فهمه بلغته الخاصة، عسى أن يقترب بذلك من جوهر التجربة لا من ظاهر الكلمات فحسب. وقد حرصت في هذا العرض الموسّع على إيراد كل الأسماء التي وردت في هذا الجزء من الكتاب، فهي – في تقديري – ليست مجرد حواشٍ عابرة، بل خيوط حقيقية نسجت شخصية هذا اللاعب الاستثنائي.
” إهداء يكشف شخصية الأب قبل الابن”
يفتتح كسلا كتابه بإهداء لا يخلو من دلالة عميقة، ويكاد يكون مفتاحاً لفهم كل ما سيأتي بعده. فبدل أن يبدأ بذكر إنجازاته أو ألقابه، يتوقف طويلاً عند والده رحمه الله الذي اختار- خلافاً لكثير من الآباء في جيله ممن كانوا يرون في الكرة إلهاءً عن الجد والدراسة – أن يكون سنداً لموهبة ابنه لا عائقاً أمامها. لم يكن هذا الموقف سهلاً في زمنه، فقد كانت النظرة الاجتماعية السائدة آنذاك تستخف بكرة القدم كحرفة أو مهنة يُعتمد عليها لكسب العيش، لكن الأب حافظ على توازن دقيق بين الجد والدراسة من جهة، وحرية اللعب من جهة أخرى، وكأنه أدرك مبكراً أن الموهبة حين تُقمع تذبل، وحين تُرعى تزدهر.
ثم يمتد شكر كسلا ليشمل كل من ساهم في صناعته: معلمين رافقوه في مراحله الدراسية المختلفة وتعهدوه بالرعاية والتربية حتى تقدم في الكرة ونجح في دراسة الطب معاً، ورفاق طفولة تقاسم معهم الأزقة والملاعب الترابية غير المنظمة قبل أن تنضج موهبته في الأندية الكبرى، وصحفيين ونقاداً صقلوا أداءه بالنقد البنّاء داخل السودان وخارجه، وحتى أولئك “الجنود المجهولين” من إداريي الأندية وعمالها الذين يخططون وينفذون في صمت دون أن يظهروا يوماً على الشاشة أو في الملعب، وكذلك المدربين الكثيرين الذين عاصروا مسيرته وأسهموا إسهاماً مباشراً في تدريبه وتوجيهه وتقويمه وتصحيح أخطائه على مختلف الصعيدين المحلي والدولي. هذا الإهداء، في تقديري، ليس مجرد مجاملة بروتوكولية اعتاد عليها الكتّاب، بل هو تصريح مبكر بأن هذه السيرة لن تكون قصة “نجم فردي”، بل قصة شبكة كاملة من العلاقات الإنسانية التي صنعت هذا اللاعب.
“طبيب بروح مدرب.. ومدرب بروح طبيب”
المقدمة التي كتبها الأستاذ الراحل المقيم هاشم ضيف الله، عضو اتحاد كرة القدم السوداني سابقاً ورئيس لجنة التدريب المركزية ومدير الفرق القومية السودانية، والمؤرخة بيوليو 1991، لم تكن تقديماً تقليدياً يكتفي بالإطراء، بل كانت قراءة عميقة لازدواجية نادرة عاشها هذا الرجل طوال حياته. فهو اللاعب الذي حين يدخل الملعب ينادونه زملاؤه “يا دكتور” احتراماً لمهنته، وهو الطبيب الذي حين يدخل عيادته يناديه مرضاه الذين عرفوه لاعباً بـ”يا كوتش” اعترافاً بشهرته الرياضية! هذه المفارقة اللغوية الطريفة، كما يراها ضيف الله، ليست مجرد طرفة عابرة تُروى للتسلية، بل هي جوهر شخصية الرجل بأكملها: طبيب في الملعب لأنه يعالج مجريات المباراة بضرباته الفنية المتقنة وذكائه التكتيكي، ومدرّب في عيادته لأنه يزرع في مرضاه الصبر ذاته الذي كان يتحلى به أمام المرمى وهو ينتظر اللحظة المناسبة للحسم.
وما لفت انتباهي أيضاً أن ضيف الله لم يكتفِ بالإشادة الشخصية، بل شهد بأن الكتاب يحمل قيمة تدريبية حقيقية تتجاوز كونه سيرة ذاتية عابرة، إذ يحوي إشارات كثيرة في فن اللعب يمكن أن تثير اهتمام المدربين الطامحين للاقتباس وتحسين أدائهم، بل وللمتفرجين العاديين الراغبين في زيادة استمتاعهم بمشاهدة الكرة، لأنه يلفت نظرهم إلى ملاحظات دقيقة حول كيفية تحوّل اللاعب العادي إلى لاعب ممتاز، وهي ملاحظات قلّما يلتفت إليها من لم يعِش التجربة من الداخل. كما يشير ضيف الله إلى محطتين اعتبرهما الأهم في مسيرة كسلا: انتقاله للعب خارج السودان بدولة الإمارات العربية المتحدة تحديداً في نادي النصر بدبي، حيث لفت أنظار أبرع مدربي العالم آنذاك، وقضية موازنته الصعبة بين الاستمرار في لعب الكرة مستمتعاً بالأضواء والنجومية والمجد الكروي الزائل من جهة، ومواصلة دراسة الطب التي أكملها بالتفوق ودرجة الشرف من جهة أخرى.
“اسم استعاره من مدينة لم تكن البداية”
من أكثر ما أدهشني في هذا الكتاب، وربما كانت المفاجأة الأكبر في هذا الجزء بأكمله، أن العنوان الذي عرف به كسلا الملايين في السودان والعالم العربي لم يكن اسمه الحقيقي، ولا حتى اسم مسقط رأسه كما يظن كثيرون! فوالده، الذي كان معلماً ثم موجهاً تربوياً بوزارة التربية والتعليم، تنقّل به الزمن والوظيفة بين محطات عديدة عبر خريطة السودان، قبل أن يستقر بهم المقام أخيراً في مدينة كسلا، التي لم تكن في الحقيقة سوى آخر محطة في رحلة طويلة بدأت من بورتسودان الساحلية، ومرت بأروما الهادئة، ثم مدني حاضرة الجزيرة، والقضارف الصاخبة، لتنتهي أخيراً في مدينة كسلا التي أعارته اسمها .
واللافت أن هذا اللقب نفسه أثار حرج والده في أكثر من مناسبة، حين ناداه أحد معارفه يوماً بـ”عم كسلا” ظناً منه أن الاسم موروث عائلي أو لقب أصيل للعائلة، فما كان من الوالد إلا أن عبّر عن ضيقه الشديد من هذا الخلط، محتجّاً أمام أبنائه على ما اعتبره تصرفاً غير مهذب من البعض. أما أصل الحكاية الحقيقي فيعود إلى انتقاله الكروي الشهير من فريق الأهلي بمدينة كسلا إلى الهلال العاصمي مطلع السبعينيات، وهو انتقال أحدث ضجة إعلامية كبرى، اعتُبرت معها العاصمة وكأنها قد “اختطفت” أبرز نجم من تلك المدينة الشرقية، فأطلقت عليه الصحافة الرياضية حينها لقب “دُرّة كسلا” تيمناً بالمدينة التي صعد منها إلى النجومية، قبل أن يتقلص هذا اللقب مع مرور الأيام واختصاره الطبيعي في الاستخدام الصحفي إلى كلمة واحدة راسخة: كسلا، لتصبح هويته الإعلامية الدائمة.
وما استوقفني أيضاً أن هذا العشق للكرة يبدو موروثاً بدوره لا وليد الصدفة، فوالده نفسه كان رياضياً نشطاً متعدد المواهب في شبابه، مارس التنس والسباحة وركوب الدراجات، ولعب كرة القدم المنظمة لاعباً بنادي “الشباب” بمدينة كسلا كما لعب أيضا لفريق حي العرب بمدينة بورتسودان. بل يُروى عن عمه بابكر محمد أحمد ، أحد الشهود على تلك المرحلة المبكرة، طرفتان لطيفتان عن الوالد: الأولى تتعلق بلقب آخر أقدم لُصق به قبل أن يولد كسلا، حين زارت بورتسودان في الثلاثينيات باخرة إنجليزية تحمل فريقاً كروياً، وكان بين لاعبي ذلك الفريق من يكبر رفاقه سناً ويحمل اسماً مركباً صعب النطق، فلقّبه رفاقه بلقب بسيط تناقله الجميع، وكان الوالد يتشابه في أسلوب لعبه مع ذلك اللاعب الأجنبي، فأُطلق عليه اللقب نفسه من باب المفارقة! والثانية أن الوالد كان يلعب لفريق “الأفندية” بمدينة كسلا إبان العطلات المدرسية، إلى جانب كل من المرحوم عبدالحميد فرج مالك ودوكة بلال، وأنهم اعتادوا منازلة فريق “السكة حديد” بالمدينة، الذي كان يضم في صفوفه نجماً بارزاً هو الفنان المعروف عبدالعزيز محمد داؤود، أحد أعمدة الأغنية السودانية فيما بعد! كما يذكر الكتاب أن الوالد ورفاقه تلقوا تعليمهم في مراحله المبكرة وتتلمذوا على أيدي أساتذة كبار من أمثال الأستاذ عبدالله محمد صالح، والشيخ الحسن البدوي من الختمية، والأستاذ الطيب عبدالله، والد البروفيسور الراحل عبدالله الطيب، أحد أعلام اللغة والأدب في السودان.
ولا يفوتني هنا أن أذكر اسم محمد طلعت فريد، الملازم ثاني الذي كان على رأس حامية مدينة كسلا قبيل الحرب العالمية الثانية، والذي يصفه الكتاب بأنه من أكبر رموز الحركة الرياضية بالسودان، وممن ارتبط اسمه بتنظيم الحركة الرياضية بمدينة كسلا في تلك الحقبة المبكرة.
” أمٌّ تحرم لتُعلّم ”
من أعمق الفصول التي قرأتها في هذا الجزء، وأكثرها تأثيراً في نفسي، كانت تلك التي خصصها كسلا لوالدته بتول بنت الخليفة محمد الحسن. فبين شقيقيه عبدالله حسين، الذي لعب لنادي الأهلي بكسلا، وعبدالقادر حسين، الشقيق الأصغر الذي لعب للأهلي ثم لنادي الميرغني وحظي كلاهما بالإعجاب والثناء وقدر من الشهرة، تبرز صورة الأم كمعادلة نفسية معقدة تجمع بين القسوة الظاهرية والحب العميق الذي لا يُعبَّر عنه بالكلمات دائماً. فهي التي كانت تصادر كرته حين يخالف أوامرها أو يعصي لها أمراً، معتبرة ذلك أقسى عقاب يمكن أن تُنزله به، أقسى حتى من الضرب المباشر ومن سائر أشكال العقوبات الأخرى، لأنها أدركت بحدسها الأمومي أين يكمن عشقه الحقيقي، وأي الأشياء أعز عليه من كل شيء آخر. وفي المقابل، لم تكن تتردد أبداً في تدبير المال اللازم لشراء كرة جديدة كلما فسدت كرته القديمة، في مفارقة تكشف عمق فهمها لطبيعة هذا الشغف رغم قسوتها الظاهرية معه.
لكنها في المقابل، وبعد أن كبر وأصبح نجماً كروياً معروفاً يُشار إليه بالبنان، هي نفسها التي تحول دعاؤها إلى طقس مقدس يسبق كل مباراة، حين كان يجثو أمامها طالباً بركتها ودعواتها، وهي ترفع يديها بالدعاء له بالتوفيق والنصر، في مشهد يقول إنه لا يزال يتردد على مسامعه ويتراءى أمام عينيه حتى اليوم. هذا التناقض الجميل والمؤثر بين المرأة التي تحرم في الصغر لتُربّي، والمرأة التي تبارك في الكبر لتدعم، يلخص في تقديري جوهر التربية السودانية الأصيلة التي تجمع بين الحزم والحنان دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
وبين أختيه، رسم كسلا صورة أسرية متكاملة الأطراف تعكس تنوع ردود الفعل الإنسانية تجاه شغف واحد: الأستاذة أميرة حسين، الأخت الكبرى التي ضاقت ذرعاً بأوساخ الملاعب الترابية التي كان يجلبها إلى البيت بعد كل تمرين أو مباراة، فكانت تتذمر وتشكو بصوت مسموع، مقابل الأستاذة إخلاص حسين، الأخت الصغرى التي شاركته اللعب ذاته بحماس طفولي وأظهرت مهارات أساسية طيبة في اللعبة رغم مخاوف الأسرة الحقيقية عليها من الإصابات، بل تحمّلت أحياناً مسؤولية حراسة المرمى رغم صغر سنها، وأحياناً دون اقتناع تام منها بهذا الدور. هذا التباين بين الشقيقتين، رغم أنهما نشأتا في البيت نفسه وتحت نفس الظروف، يذكّرنا بأن الشغف لا يُورَث بالضرورة، بل يُختار.
” بورتسودان.. حيث بدأ كل شيء ”
المدينة الساحلية التي شهدت صرخته الأولى، والتي يصفها كسلا بمودة خاصة باعتبارها “مدينة ساحرة” ذات وقع خاص على نفسه، تأسست في زمن الاستعمار الإنجليزي عام 1905، بهدف ربط البحر الأحمر بوسط البلاد، ويقدَّر تعداد قاطنيها الآن بحوالي 950 ألف نسمة، وهي تُعتبر الميناء الرئيسي الذي يطل منه السودان على العالم من خلال موقعها المثالي على البحر الأحمر قبالة الشواطئ السعودية.
فيها، وتحديداً في حي ديم المدينة العريق، وفي منزل متواضع خلف السوق المحلي، أطلق كسلا صيحته الأولى. وفيها أيضاً وقعت عيناه لأول مرة في حياته على شعار رياضي حقيقي، هو شعار نادي الثغر بلونيه الأخضر والأبيض، ذلك الشعار الذي كان يلعب تحت رايته أبناء خالته الأربعة جميعاً: علي حسين، أمين حسين، عثمان حسين الملقب بـ”ليني”، وأحمد حسين. وفيها أيضاً لمست يداه لأول مرة حذاء الكرة الحقيقي، ذلك الحذاء الجلدي الثقيل الخشن الذي حيّره طويلاً كيف يمكن لأحد أن يلعب به، قبل أن يتحول ذلك الألم البدني المؤقت إلى بوابة لعالم أوسع بكثير.
وفي أحياء المدينة المختلفة، تلقى جزءاً من تعليمه الابتدائي في مدرسة “ضاحية المدينة”، بينما كان يسكن في حي السكة حديد خاله حسن محمد الحسن، المعروف بلقب “حسن حكومة” لشدة بأسه وصرامته أثناء عمله كمفتش للرصيف بميناء بورتسودان. كان خاله يستضيفهم في العطلة الصيفية من كل عام، فيكوّنون مع أبنائه محمد حسن وأحمد حسن وطه حسن أسرة واحدة صاخبة مليئة بالحياة. وإلى نادي “سواكن” كان والده يصطحبه لقضاء الأمسيات في فترة العطلة المدرسية، فكان يُغافله وهو مشغول بلعب “الطاولة” التي كان يحبها كثيراً، ليتسلل بعيداً عن أنظاره نحو الساحة الخلفية للنادي حيث التدريبات الرياضية المختلفة تحت إشراف الأستاذ المدرب الراحل عبدالعزيز سليمان، وهناك بالذات، لا في ملعب كرة القدم كما قد يظن القارئ، وُلد عشقه الأول والحقيقي لرياضة الجمباز، تلك الرياضة التي ستلازمه لاحقاً كهواية موازية للكرة طوال سنوات دراسته.
وفي هذه المدينة أيضاً، تشكّل فريق “النجمة الحمراء”، أول فريق من فرق الساحة الشعبية ببورتسودان ارتدى شعاره كسلا ضمن مجموعة طيبة من رفاق تلك المرحلة الباكرة: حمزة، خليفة، وابن خالته عبدالمنعم أورفلي، ذو الشخصية المرحة الجذابة، الذي أطلق على نفسه لقب “ديبو” لأنها تعني في اعتقاده جمعه لمهارة اثنين من أعظم لاعبي الكرة في العالم، وهما دي ستيفانو وبوشكاش، معاً! ومن رفاقه أيضاً عزّام أورفلي، ونوناي، والحارس العملاق أنور أبوهيف، وسليمان أبو داؤود رحمه الله، وعمر مرزوق. أما نجم كل النجوم في نظره فكان الطاهر حسيب، الذي يصفه بأنه مثّل ظاهرة فريدة تميّزت خارج الملعب بروح السخرية والدعابة العالية، وداخله بالقدرة على فعل المعجزات. وفي صورة جماعية لفريق النجمة، وردت أسماء أخرى: عثمان، كوريا، نوناي، الزين، موسى، علي عبدالرحمن (الواقفون)، وخليفة، محمد قيلي، شيبة الحسن، شيبة جمل، عبدالولي، صالح بابكر، حمودة (الجالسون).
كانت إحدى أمنياته اللعب بجوار الطاهر حسيب، وتحقق ذلك في أمسية صيف 1969، حين زار فريق كلية التربية العاصمي بورتسودان ليتباري ودياً مع فريق “الثغر”، وبما أن النادي يربطه بأسرته علاقة، أُتيحت له فرصة المشاركة. تلقى منه تمريرة جميلة أودعها كل ذكائه وفنه، وأحرز منها هدفاً كان الهدف الوحيد في تلك المباراة! والمفارقة المؤلمة قليلاً في هذا السياق أن القدر لم يشأ، رغم كل هذا الارتباط العاطفي العميق بالمدينة وبناديها، أن يُكتب اسمه رسمياً في كشوفات ذلك النادي الذي أحبه منذ الطفولة، لتبقى هذه إحدى الأمنيات القليلة التي لم يستطع تحقيقها حتى لحظة اعتزاله الكرة نهائياً.
” أروما.. مدرسة الصرامة التي لم تقتل الطفولة ”
الانتقال إلى أروما، تلك البلدة الصغيرة الهادئة الواقعة على حوض نهر القاش شرق السودان، بعد صخب القضارف الدائم كواحدة من أكبر أسواق المحاصيل بالسودان، مثّل نقلة نوعية حقيقية في حياته التعليمية والرياضية معاً. التحق هناك بمدرسة “أروما” النموذجية في المرحلة المتوسطة، بنظام داخلي صارم لا يرحم، حيث الدقيقة الواحدة محسوبة بدقة متناهية: الدراسة تبدأ في موعدها المحدد تماماً، وفترة النشاط الرياضي الإلزامي تمتد من الرابعة وحتى الخامسة والنصف عصراً، تليها العودة للفصول في فترة المذاكرة الإجبارية، ثم العشاء فالإيواء المبكر، ولا يُسمح بالخروج عن هذا النظام إلا يومي الخميس والجمعة المخصصين لزيارة الأهل.
لكن هذه الصرامة المؤسسية، رغم قوتها، لم تستطع كبح شقاوة الأطفال الطبيعية ولا شغفهم الجارف بالكرة، حتى وإن كلّفهم ذلك عقاباً كانوا يتقبلونه بصدر رحب، بل وبفخر خاص إذا كان فريقهم هو المنتصر في تلك المباراة التي تسببت في تأخرهم عن المذاكرة حتى ما بعد غروب الشمس. هناك، في أروما، اكتشف كسلا مواهب متعددة لم يكن يعرف أنه يمتلكها: التمثيل المسرحي ضمن فريق المدرسة، بما في ذلك المشاركة في نصوص مترجمة من الأدب العالمي، والجمباز الذي برع فيه حتى نال إعجاب المدينة بأكملها في احتفال ضخم بمناسبة أعياد الاستقلال، وتنس الطاولة الذي حقق فيه بطولة مدرسية كاملة بعد أن تفوّق، لأول ولآخر مرة في تاريخ منافساتهما، على صديقه الحميم فيصل إسماعيل خليل، الذي كان يُعتبر أفضل لاعب في المدرسة بلا منازع، وكانت جائزة البطولة قلماً من نوع “تروبن”، لكنها – كما يعلّق كسلا بحكمة – الرياضة، وهي لا تخضع دائماً لمنطق المعادلات المتوقعة.
وفي هذه المدرسة تحديداً وقعت طرفته الأشهر على الإطلاق: حين سأله محرر جريدة الحائط المدرسية الصغير في أول حوار صحفي يُجرى معه في حياته عن أحلامه المستقبلية وأمنياته الرياضية، أجاب بلا أدنى تردد أنه يريد أن يصبح لاعباً مشهوراً مثل جكسا وماجد وإبراهومة وأمين زكي وديم وكوارتي ، وغيرهم من النجوم الذين كانوا وقتها ملء الأسماع والأبصار. لكن الصحفي الطفل اكتشف بدهشة بالغة، حين طلب صورته لنشرها، أن بطاقته المدرسية لا تحمل صورته الشخصية أصلاً، بل صورة نجم الكرة البرازيلي بيليه في قصاصة صحفية، التي كان قد استبدل بها صورته الحقيقية سراً، فانفجر ضاحكاً لمدة طويلة!
” لقب لم يفارقه: شكسبير الفصل وبيليه الميدان ”
التوازن النادر والمدهش الذي حققه كسلا بين التفوق الدراسي الملحوظ، خاصة في اللغة الإنجليزية التي أولاها اهتماماً خاصاً، وبين تألقه الكروي المتصاعد في الملعب، دفع أستاذه الجليل صبري محمد سعيد لمنحه لقباً مزدوجاً ظل يلازمه بين زملاء الدراسة حتى يومنا هذا: “شكسبير في الفصل وبيليه في الميدان”. وهذا اللقب، كما يعترف كسلا بنفسه دون مبالغة، لم يكن مجرد مجاملة عابرة سرعان ما تُنسى، بل كان حافزاً حقيقياً وعميقاً دفعه لمزيد من التعمق في الأدب العربي والإنجليزي على حد سواء، حتى تحققت أمنيته الكبرى بلقاء أسطورته بيليه شخصياً وجهاً لوجه على أرض الملعب، لا رؤية فحسب بل ضماهما ملعباً واحداً، في تلك المباراة التاريخية الشهيرة التي جمعت نادي الهلال بأم درمان بفريق سانتوس البرازيلي في أحد أيام فبراير 1973 السعيدة، والتي أطلقت عليها الصحافة الرياضية اسماً شاعرياً بليغاً: “لقاء السحاب”
” مدني.. حيث تعلّم “قراءة” الكرة ”
بدأت مدني، كما يخبرنا كسلا، مدينة صغيرة في زمن الاستعمار التركي المصري في القرن التاسع عشر، وازدادت أهميتها بعد تنفيذ مشروع الجزيرة الزراعي الهام عام 1925، ثم اكتسبت فيما بعد أهمية دينية وروحية بوجود قبة الولي الصالح الشيخ محمد مدني السني، ويسكنها الآن حوالي 900 ألف نسمة، وتقع على بعد 185 كيلومتراً جنوبي العاصمة الخرطوم.
في حاضرة الجزيرة هذه، عاش كسلا مرحلة نضج كروي مختلفة تماماً عن كل ما سبقها من مراحل الطفولة العفوية. فمواسم 1967 و1968 و1969 الكروية لا تزال تُعتبر من أعظم مواسم الكرة في تاريخ الجزيرة، إذ كانت أنديتها الكبيرة، الأهلي والاتحاد والنيل، بعبعاً مخيفاً لأندية العاصمة بالتحديد، تصمد بقوة وشراسة أمامها حين تلاعبها في الخرطوم وأم درمان، وتصرعها حين تلتقيها في مدني نفسها. ويستذكر كسلا فريق أهلي مدني في ذلك الحين، الذي كان يضم مجموعة من الأساتذة في فن كرة القدم: بَلّه، سُنطَه، كوري ، أبكر، دافيس، الباقر عبدالواحد، الباقر عبدالرازق، التاج محمد الحسن، أحمد حامد، والمايسترو الكبير بابكر سانتو.
هناك بدأ إدراك ووعي لغة الكرة، فصار يرتاد دور الرياضة كمراقب واعٍ بدأ يدرك أن المشاهدة الدقيقة والاقتباس الذكي من أساليب كبار اللاعبين هما الأساس الحقيقي الذي يُبنى عليه أي أسلوب لعب متميز لاحقاً، خاصة أن الملاعب كانت تعج بمن يمكن مشاهدتهم والاقتباس من ملكاتهم وقدراتهم وسحرهم. كان يشجّع فريق النادي الأهلي “بجنون”، ومن مكان ثابت على الحائط الجنوبي من الاستاد كيما يكون أكثر دقة في متابعته. وكانوا يسكنون بالقسم الأول على “شارع الكنيسة”، يواجه منزلهم مباشرة منزل أسرة المدرب القومي الكبير سيد سليم، الذي يصفه كسلا بأنه صاحب مدرسة تدريبية خاصة يعرفها كل من تدرب على يديه، ظريف الروح وطيب المعشر خارج الملعب، وحاد الطباع إلى أقصى الحدود داخله، وكان من أوائل المدربين الذين تلقوا دراسات متقدمة في التدريب، وقام بالإشراف على المنتخب السوداني داخل القطر وخارجه.
وعلى نفس الشارع كان يسكن أيضاً لاعب الهلال الدولي السابق ولاعب النيل مدني في ذلك الوقت، الكابتن الكبير سمير صالح فهمي، الذي يصفه كسلا بأنه كان من أبرع مدافعي زمانه، اشتهر بحسن قراءته للمواقف وبقدرته على التصدي والتعامل مع أكثر من مهاجم في وقت واحد، هادئ الطباع داخل الملعب وخارجه، ومن النادر جداً أن يُرى منفعلاً، حتى شُبّه بالمدافع الإنجليزي الراحل وكابتن المنتخب الإنجليزي بوبي مور، “لكن الفرق الوحيد أن الناس الذين شهدوا لبوبي مور بالتميز عالمياً لم يشاهدوا سمير” كما يعلّق كسلا بمرارة خفيفة.
هناك واصل لعب الكرة في البداية داخل الحي ثم في مختلف الأزقة والحواري والساحات، خاصة تلك التي كانت تجاور نادي “النيل” آنذاك، ثم انتظم بالانتماء إلى فريق صغير باسم “النجوم”، والذي تكوّن بعد دمج فريقي “الطليعة” و”أبولو” بناء على اقتراح من الأخ خالد شمت. ويذكر من زملاء تلك المرحلة الحارس المتميز السر بدوي، واللاعب المشاغب خالد شمت نفسه، واللاعب الفنان سمير طه سليم، إلى جانب الشيخ مدثر البوشي من الذين لعبوا لتلك الفرق حقق البعض نجاحاً كبيراً، واشتهر منهم عبدالعظيم الملقب بـ”قُلّة”، الذي لعب للهلال ثم المقاولون العرب بمصر فيما بعد.
وفي مدني أيضاً، بدأت أولى مغامراته الإدارية الطريفة والجريئة في آن واحد: تسجيله رسمياً في نادي الأهلي وهو صغير السن ضعيف البنية، ليس بغرض اللعب الفوري بل حتى لا يقوم ناد آخر بتسجيله، لكنه واصل تمارينه بعيداً عن النادي في ملاعب أخرى قريبة كميدان “الملك”، وشارك أحياناً في تمارين نادي “الشاطئ”، مكتفياً بتشجيع فريقه الأهلي من على البُعد. وحين طلب منه مسؤول نادي “النيل” الاشتراك مع الفريق في مباراة ودية باعتباره لاعب الحي الذي يسكنه، ضمن مجموعة من الناشئين الذين ينوي الفريق الاستعانة بهم، لم يتردد ولعب المباراة رغم أنه مسجّل بالفعل مع الأهلي، ولم يكن مسؤول النيل يعلم بذلك بالطبع! عقب المباراة واجهه مسؤولو الأهلي مؤنبين بصورة عنيفة ومهددين بإيقافه عن النشاط الرياضي ومحاكمته إذا تكرر الأمر. والطريف أن مسؤول نادي النيل نفسه حضر لاحقاً ليطلب توقيعه لفريقه رسمياً بعد أن أعجبته تجربته، ليُفاجأ بالحقيقة حين أخبره بها، فما كان منه إلا أن صفّق بيديه معلقاً بدهشة صادقة أنه لم ير من قبل لاعباً مسجلاً مع نادٍ، ويتمرن مع نادٍ آخر، ويلعب المباريات مع نادٍ ثالث!
ويستدرك كسلا بنفسه هنا مفارقة أخرى: أن ما فعله الإسيد ذات يوم من مزاح عابر حول تشكيل هجوم قومي مستقبلي من نجوم فريق “العمالقة” الودي (الفاضل سانتو والإسيد وكسلا نفسه) في مباراة أُقيمت بمناسبة مهرجان رياضي بمدينة ود مدني عام 1969، تحوّل بعد أربع سنوات فقط إلى نبوءة متحققة حرفياً، حين تكوّن هجوم الفريق القومي السوداني فعلياً من الإسيد والفاضل سانتو وكسلا أمام منتخب نيجيريا في مباراة “لاغوس”!
” ليلة الجنون: حين هرب من غرفة العمليات”
أما أكثر ما بقي عالقاً في ذهني، وسيبقى على الأرجح لفترة طويلة، من هذا الجزء بأكمله، فهي تلك الحادثة الاستثنائية التي يرويها كسلا بنفسه بصراحة تامة تحت عنوان دال بليغ: “هروب من المستشفى” فبعد أن أصيب بعلة استوجبت له عملية جراحية بمستشفى ود مدني، صادف أن كانت تلك الليلة موعد لقاء كروي كبير بين الفريق الذي أحبه، أهلي مدني، والمريخ العاصمي المعروف بقوته وحشده الجماهيري، يومها كانت مجموعة من أفضل لاعبي الكرة في ذلك الزمان تخوض المباراة، ومنهم عبدالعزيز عبدالله، بُشرى، وهبة، وبُشارة، وجعفر قاقارين، واسماعيل بخيت، وجاد الله، وماوماو، وكمال بني.
لم يستطع كسلا مقاومة إغراء المباراة رغم حالته الصحية الحرجة، فتسلل بهدوء تام عند الغروب خارج المستشفى وهو لا يزال يعاني من آثار التخدير الجراحي، مغالباً إحساسه بالإعياء والفتور، مستأجراً سيارة أجرة طالباً من سائقها نقله إلى استاد المدينة. وحين علم سائق التاكسي في الطريق أن راكبه نزيل بالمستشفى وأن عملية جراحية قد أُجريت له صباح ذلك اليوم نفسه، هزّ رأسه معلقاً بعبارة أصبحت من أشهر ما ورد في هذا الفصل، مفادها أن هذا هو الجنون بعينه. لكن كسلا، رغم كل المخاطرة الصحية التي تعرض لها، يصف تلك الأمسية بأنها كانت من أروع وأمتع الأمسيات في حياته الرياضية كلها، إذ استمتع فيها بمشاهدة ملحمة عنيفة وعرض كروي أخّاذ، انتهى بفوز فريقه الأهلي على المريخ بخمسة أهداف مقابل ثلاثة.
” من الاستهزاء إلى التصفيق ”
يختتم هذا الجزء الأول من الكتاب بمشهد بالغ الدلالة يلخص بداية مسيرته الاحترافية الحقيقية بعيداً عن الملاعب الشعبية والمدرسية. ففي أبريل من عام 1969، مرّ فريق الأهلي مدني بفترة عصيبة بسبب غياب عدد كبير من نجومه الكبار، فقرر الاستعانة بأفراد الصف الثاني، وكان كسلا واحداً منهم. أُشرك في ثلاث مباريات ضد كل من الاتحاد والنيل والرابطة، وتألق في أولى مبارياته أمام خصم الأهلي اللدود الاتحاد.
استقبله الجمهور في البداية بصفير الاستنكار اللاذع لصغر سنه الواضح وضآلة حجمه الجسدي بصورة ملحوظة مقارنة بزملائه، بل سمع بأذنيه صوت جارهم الكوتش سيد سليم نفسه، الذي كان يدرّب فريق الاتحاد وقتها، وهو يقول لمدافعه الأيمن عبارة ساخرة ” تخلي فنطوط زي دا يحاورك ” لكن الكرة، كما تفعل دائماً حين تُنصف أصحاب الموهبة الحقيقية، كانت الحكم الأخير والأكثر عدالة وإنصافاً في تلك الليلة: ومع مرور الزمن ازداد ثباتاً في الملعب، وبدأ يستمع إلى صدى أدائه في هتاف استحسان متصاعد من مشجعي فريقه، فأدى مباراة جميلة نال بعدها استحسان الجمهور بأكمله، وكان حارس مرمى الاتحاد الدولي الراحل إبراهيم بدوي والكوتش سيد سليم نفسه من أوائل المهنئين له.
وهكذا نجح كسلا، وكانت تلك البداية الطيبة هي التي مهّدت له طريق الاشتراك في المباراتين التاليتين، بيد أن سعادته لم تدُم طويلاً، إذ سرعان ما نُقل الوالد إلى مدينة كسلا، لتبدأ محطة أخرى مختلفة تماماً في رحلة هذا الفتى الموهوب مع الكرة والحياة معاً.



