الأعمدة

حكومة “تأسيس” بين ابتداع الآليات الجديدة والفوضى والتحديات

كتب : أحمد_عثمان_جبريل..
كتب الصحافي والروائي الفرنسي من أصول جزائرية، ألبير كامو، في كتابه الأبرز (أسطورة سيزيف) متسائلًا:
“هل تستحق الحياة أن تُعاش في عالم بلا معنى؟”
ثم عاد ليقول: “أسوأ أشكال الفوضى هي تلك التي تُولد من رحم النظام.”
ونحن نقول: إنه في اللحظة التي يتسرب فيها المعنى من السياق العام، وتُخلي المؤسسات مكانها للفراغ، غالبًا ما تلجأ القوى الحية إلى ابتداع أدوات جديدة لترميم الكيان السياسي المُنهك، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطوة “تحالف تأسيس” في السودان، بتشكيل حكومة مدنية جديدة، وما رافقها من أداء قسم سياسي رمزي، أقرب إلى إعلان وجود منه إلى تسلّم فعلي للسلطة.
تلك الخطوة التي ادى أعضاؤها القسم أمس، تأتي في وقتٍ تتقاطع فيه الأزمات السودانية: نزاع دموي بين الجيش والدعم السريع، انقسام مدني محتدم، وضع إنساني وصحي كارثي، وانسداد أفق التسوية.. ليبرز هنا السؤال الذي يفرضه الواقع:
هل تمثل حكومة “تأسيس” بصيص أمل في نفق الانهيار؟ أم تُكرّس مزيدًا من التشظي داخل معسكر التغيير؟ وما موقعها من المشهد المعقد، مدنيًا وعسكريًا، وضمن مسار الحوار السوداني – السوداني؟
الواقع أنه، ومن حيث الشكل، تعكس هذه الحكومة محاولة سياسية لملء فراغ الشرعية المدنية، واستعادة زمام المبادرة من قوى أنهكها التردد والانقسام.. كما يبدو أنها تشكل رسالة داخلية وخارجية بأن هناك قوى في المشهد السوداني ما تزال قادرة على صياغة أدواتها، ولو في حدها الأدنى، لإعادة تعريف ذات المشهد.
إلا أن الإشكال الجوهري لا يكمن في الإرادة، بل في التوقيت والسياق؛ إذ إن تشكيل حكومة دون قاعدة توافقية عريضة قد يُنظر إليها كخطوة أحادية تُفاقم الانقسام، وتفتقر لآليات الفعل والتنفيذ في ظل توازن قوى يميل إلى ميزان الميدان العسكري.
وفي هذا الإطار، تبرز أسئلة أكثر إلحاحًا: ما هي التحديات التي يمكن أن تعصف بحكومة تأسيس الجديدة؟
الإجابة الأولية تتمثل في ضعف الاعتراف السياسي داخليًا، حيث تفتقد الحكومة إلى تأييد كافٍ من الكيانات المدنية الأخرى.. أما خارجيًا، فلم تُحظَ حتى عقب التبشير بها بأي شرعية إقليمية أو دولية، ما يعمق عزلتها.
إن الأهم من كل ذلك غياب الإجماع المدني حولها، ما يعني أن المشهد المدني السوداني لا يزال مشتّتًا ومنقسمًا وأكثر تشظي، ما بين تحالفات متنافسة، ومبادرات متقاطعة، وصراعات لا تقف عند حد الأيديولوجيا، بل تتعداها إلى معارك نفوذ.
أما على مستوى التكوين، فالمعلومات المتاحة تشير إلى أن حكومة “تأسيس” تستند إلى شخصيات سياسية بعضها قادم من لجان المقاومة، أو محسوب على تيارات مدنية، لكنها تفتقر إلى قاعدة جماهيرية واضحة، أو شبكة تنفيذية قادرة على إدارة الملفات المعقدة، ما يجعلها عرضة للتوصيف ككيان رمزي أكثر من كونها حكومة فعلية ذات بعد سياسي إحترافي طبيعي.
من جهة أخرى، فإن النزاع الدامي بين الجيش والدعم السريع يجعل من أي سلطة مدنية بلا قوة ميدانية فاعلة على الارض ولديها غطاء سياسي – أمني ضخم، مجرد صوت بلا صدى.. كذلك ما لم تكن جزءًا من تسوية شاملة تعيد ترتيب القوى وتُرسي خارطة طريق جديدة.
اما اقتصاديًا، فإن الانهيار الكامل للبُنى التحتية، والنزوح، وفقدان الخدمات الأساسية، في المناطق التي تسبطر عليها “تأسيس” يضع أي حكومة في مواجهة مع واقع لا يحتمل الشعارات، بل يتطلب أدوات واقعية وإدارة متماسكة – وهي عناصر يصعب توفرها حاليًا لدى “تأسيس”
أما فيما يخص التفاعل مع مسار التسوية والحوار السوداني – السوداني المرتقب، فإن الخطوة تحمل إمكانين متضادين: إما أن تعيد “تأسيس” ترتيب الصف المدني، بحيث أنها تنجح في مدّ الجسور مع القوى الأخرى، وتطرح مشروعًا جامعًا لإدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية.. أو تعميق الشروخ القائمة، إذا ما تمسكت بخطاب إقصائي، أو رأت في نفسها بديلًا عن الآخرين، بدلًا من أن تكون منصة لتكامل الجهود .. بالتالي، فإن حكومة “تأسيس” ستكون أمام اختبار صعب:
هل تُستخدم كآلية ضغط إيجابي للدخول في تسوية؟ أم تصبح مجرد تعبير عن انفعال سياسي محدود الأثر، لا يصمد أمام اشتراطات الواقع؟ .
ووسط كل ذلك لا يمكن تجاوز التحول اللافت في موقع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي بات الآن رئيسًا لتحالف “تأسيس” الكيان الذي انبثق عن انقسام داخل “قوى الحرية والتغيير – صمود”.
هذا التحول يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة “تأسيس” على إقناع الشارع، خاصة أن حميدتي، الذي يقود أحد طرفي النزاع المسلح في البلاد، بات اليوم في موقع يطرح نفسه كحاضنة مدنية بديلة، خصوصا تأكيده في خطابه أمس على وحدة التراب والنسيج السوداني .. فكيف يمكن لحكومة مدنية أن تنال ثقة جماهير الثورة، إن كان قائدها العسكري السابق لا يزال طرفًا في نزاع دموي؟
وهل يمكن تفكيك صورة حميدتي كمحارب ميداني، لصالح صورة جديدة كـ”سياسي مدني” يقود مشروعًا وطنيًا لصالح حرية وسلام وعدالة؟.
إن قدرة الحكومة الجديدة على العبور من الشكوك إلى الثقة، تعتمد بدرجة كبيرة على تفكيك هذا التناقض، وإثبات استقلالية القرار السياسي، لا تبعيته لقوة السلاح، أو الخارج.
تحدثنا وقائع التاريخ، أنه في خضم مشهد مأزوم كهذا، لا تكون المبادرات الجريئة محل إجماع، لكن التاريخ يحتفي أحيانًا بـ”المغامرات السياسية” التي تفتح نوافذ في جدار الركود، شرط أن تمتلك الشجاعة والواقعية معًا.
ولا يكفي أن تكون حكومة “تأسيس” صدى للاحتجاج، بل عليها – إن أرادت تجاوز الرمزية – أن تقدم مشروعًا وطنيًا عمليًا، يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ويضع نواةً لتحالف مدني واسع، قادر على مخاطبة الداخل والمجتمع الدولي بلغة واحدة، رغم ما يحيط به من شكوك ناتجة عن خلفيات قادته ومواقعهم السابقة في مشهد النزاع السوداني.
ففي لحظة يتنازعها الانهيار والحلم، لا يكفي أن نُحسن النوايا؛ بل لا بد من بناء جسور بين الشجاعة السياسية والوعي بالتاريخ..
إنا لله ياخ.. الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى