الأعمدة

حكومة “تأسيس” الموازية في السودان: التحديات القانونية أمام الاعتراف الدولي”

#image_title

#image_title

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
تشهد الساحة السودانية تطوراً جديداً ومعقداً مع إعلان تحالف “السودان التأسيسي” المعروف باسم “تأسيس” تشكيل حكومة موازية لحكومة بورتسودان ، حيث عيّن محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء، وأدى اليمين الدستورية في مدينة نيالا بجنوب دارفور. وفي أول قراراته الرسمية، أصدر التعايشي قراراً بتعيين قوني مصطفى أبوبكر شريف مندوباً دائماً للسودان لدى الأمم المتحدة، مما أثار تساؤلات جوهرية حول إمكانية اعتراف المنظمة الدولية بهذه الحكومة الوليدة في ظل وجود حكومة معترف بها دولياً يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان في بورتسودان.
يمثل هذا التطور محطة مفصلية في مسار الصراع السوداني المستمر منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والذي خلّف عشرات الآلاف من القتلى وأكثر من 13 مليون نازح ولاجئ وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. أعلن تحالف “السودان التأسيسي” الذي تقوده قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية في البلاد، وتم تعيين محمد حسن التعايشي العضو السابق في مجلس السيادة المنحل في منصب رئيس الوزراء، في خطوة تهدف إلى تحدي شرعية الحكومة التي يسيطر عليها الجيش وتأمين موقع أقوى في أي مفاوضات مستقبلية.
تكمن أهمية هذا التطور في كونه يطرح تساؤلات معقدة حول معايير الاعتراف الدولي بالحكومات في القانون الدولي المعاصر، خاصة في ظل واقع الدول المنقسمة والصراعات الأهلية المستمرة. فوفقاً لاتفاقية مونتيفيديو لعام 1933، يجب أن تتمتع الدولة أو الحكومة بأربعة عناصر أساسية هي السكان الدائمون والإقليم المحدد والحكومة الفعالة والقدرة على إجراء علاقات دولية. اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933 تحدد المعايير العامة لإنشاء دولة، بما في ذلك وجود سكان دائمين وإقليم محدد وحكومة فعالة، إلا أن تطبيق هذه المعايير على الحالة السودانية يواجه تحديات جوهرية.
من ناحية السيطرة الإقليمية، تواجه حكومة “تأسيس” قيوداً جغرافية واضحة، حيث لم تعد قوات “الدعم السريع” تسيطر سوى على أجزاء من ولايتي شمال كردفان وغرب كردفان، وجيوب في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى أربع من ولايات إقليم دارفور، بينما استعاد الجيش السوداني السيطرة على العاصمة الخرطوم ومعظم الولايات الشمالية والشرقية. هذا التقسيم الإقليمي يثير تساؤلات حول قدرة الحكومة الموازية على الادعاء بتمثيل السودان بأكمله أو ممارسة سيادة فعلية على كامل الأراضي السودانية.
أما فيما يتعلق بالاعتراف الدولي، فإن الواقع الحالي يُظهر غياباً تاماً لأي اعتراف رسمي بحكومة “تأسيس” من قبل أي دولة في العالم. رغم ادعاءات غير موثقة حول اعتراف سبع عشرة دولة بالحكومة الجديدة، لا توجد أدلة موثوقة أو إعلانات رسمية من أي دولة تؤكد هذا الاعتراف. على العكس من ذلك، وصفت وزارة الخارجية السودانية المدعومة من مجلس السيادة الانتقالي المعترف به دولياً تشكيل حكومة موازية بأنه “عمل عدائي”، مضيفة أن هذه الخطوة “تشجع على تمزيق الدول الأفريقية وتنتهك سيادتها”.
الموقف الإقليمي والدولي يعكس رفضاً واضحاً لهذه المبادرة، حيث أعرب مجلس السلم والأمن الأفريقي عن قلقه البالغ وإدانته الصريحة للتطورات الأخيرة في السودان، وخاصة إعلان قوات الدعم السريع وقواها السياسية والاجتماعية المتحالفة معها تأسيس حكومة موازية في جمهورية السودان، محذراً من أن هذا الإجراء يحمل مخاطر جسيمة لتقسيم البلاد. كما دعا المجلس جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بأي حكومة موازية أو كيان يسعى لتقسيم أو حكم أي جزء من أراضي جمهورية السودان.
جامعة الدول العربية لم تكن أقل حدة في رفضها، حيث حذرت من أن الحكومة الجديدة قد تفرض واقعاً فعلياً بالقوة العسكرية وتخاطر بتحويل السودان إلى دولة “كانتونات متحاربة”. مجلس الأمن الدولي أدان في 13 أغسطس 2025 قرار قوات الدعم السريع إعلان حكومة موازية، محذراً من أنها قد تؤدي إلى تفاقم الصراع الدائر، بينما حذر متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن هذه الخطوة قد “تزيد من تفتت البلاد وتخاطر بجعل هذه الأزمة أسوأ حتى”.
من منظور القانون الدولي، يُعتبر المعيار الوحيد في القانون الدولي لاعتراف بسلطة ما كحكومة لدولة هو ممارستها للسيطرة الفعلية على إقليم الدولة، إلا أن هذا المعيار لا يُطبق بشكل مطلق. فالممارسة الدولية تُظهر أن الاعتراف بالحكومات يتطلب أكثر من مجرد السيطرة العسكرية، بل يشمل عوامل أخرى مثل الشرعية الدستورية والقبول الشعبي والموقف الدولي. الاعتراف الدبلوماسي في القانون الدولي هو عمل سياسي إعلاني أحادي من قبل دولة تعترف بعمل أو وضع دولة أخرى أو حكومة تسيطر على دولة، وهو ما يجعل القرار خاضعاً لاعتبارات سياسية وليس قانونية فحسب.
ميثاق الأمم المتحدة يضع قيوداً واضحة على الاعتراف بالحكومات التي تنشأ عبر استخدام القوة، حيث تنص المادة 2(4) على التزام جميع الأعضاء بالامتناع في علاقاتهم الدولية عن التهديد بالقوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما يؤكد المبدأ المعروف بـ”مبدأ ستيمسون” على عدم الاعتراف بالأوضاع التي تنشأ نتيجة استخدام القوة أو انتهاك القانون الدولي، وهو المبدأ الذي طُبق في حالات مشابهة مثل عدم الاعتراف بنظام روديسيا العنصري ورفض الاعتراف بضم العراق للكويت.
التجارب التاريخية المشابهة تقدم دروساً مهمة حول موقف الأمم المتحدة من الحكومات الموازية. في ليبيا، اعترف مجلس الأمن الدولي بحكومة الوفاق الوطني كسلطة تنفيذية شرعية وحيدة في ليبيا في عام 2015، لكن هذا الاعتراف جاء في سياق اتفاق سياسي ليبي بوساطة أممية وحظي بدعم دولي واسع. في المقابل، الوضع في فنزويلا يُظهر أنه حتى عندما انقسم المجتمع الدولي حول الاعتراف بحكومات متنافسة، فإن الأمم المتحدة تميل للتعامل مع الحكومة التي تمارس السيطرة الفعلية على الأراضي والمؤسسات.
في الحالة السودانية، تواجه حكومة “تأسيس” عقبات قانونية وسياسية جوهرية تجعل احتمالية الاعتراف الأممي بها ضعيفة جداً. أولاً، نقص الاعتراف لا يحرم الحكومة الموازية من الدعم فحسب، بل يعزلها أيضاً عن النظام المالي الدولي، مما يجعلها غير قادرة على إدارة موارد الدولة أو الدخول في شراكات اقتصادية فعالة. ثانياً، الحكومة الموازية تفتقر للشرعية الدستورية كونها تشكلت خارج الإطار القانوني المعترف به دولياً واستندت إلى “دستور انتقالي” وضعته من جانب واحد. ثالثاً، قوات الدعم السريع متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور، بما في ذلك اتهامات بالتطهير العرقي والعنف الجنسي، مما يجعل الاعتراف بحكومتها إشكالياً من الناحية الأخلاقية والحقوقية.
الموقف الدولي الراهن يعكس رفضاً شبه إجماعي لهذه المبادرة. الاتحاد الأفريقي أدان بشدة الإعلان وحث جميع الدول الأعضاء والمجتمع الدولي على عدم الاعتراف بما يسمى الحكومة الموازية أو دعمها، معيداً تأكيد اعترافه بمجلس السيادة الانتقالي والحكومة الانتقالية المدنية المشكلة حديثاً كسلطات شرعية. الدول الإقليمية المؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت والأردن وتركيا والصومال رفضت الميثاق التأسيسي وما نتج عنه من خطوات سياسية، محذرة من أن هذه التحركات غير شرعية وقد تهدد الوحدة الوطنية السودانية.
بعثة السودان لدى الأمم المتحدة قللت من القرار الذي أعلنته حكومة الدعم السريع بتعيين مندوب في الأمم المتحدة، وشددت على أن المنظمة الدولية، في أعلى أجهزتها، لا تعترف سوى بالحكومة الشرعية التي يرأس مجلس سيادتها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مما يعكس الموقف الرسمي للحكومة المعترف بها دولياً من هذه المبادرة.
من ناحية الممارسة القانونية الدولية، فإن النظرية التصريحية للاعتراف، التي تحظى بدعم الممارسة الدولية، تعتبر أن عمل الاعتراف لا يعني أكثر من قبول وضع واقعي موجود بالفعل، أي التوافق مع معايير الدولة. لكن في الممارسة العملية، تطبق الدول والمنظمات الدولية معايير إضافية قبل منح الاعتراف، خاصة عندما تنشأ الحكومة الجديدة عبر وسائل غير دستورية أو عنيفة.
التجربة الليبية تقدم مثالاً مفيداً حول كيفية تعامل المجتمع الدولي مع الحكومات الموازية. في أواخر عام 2015، تأسست حكومة الوفاق الوطني في طرابلس تحت مظلة الاتفاق السياسي الليبي بقيادة الأمم المتحدة، مما أدى إلى إجماع دولي قوي جديد على إضفاء الشرعية السياسية على حكومة الوفاق الوطني، إلا أن هذا الاعتراف جاء في سياق عملية تفاوضية شاملة برعاية أممية وليس نتيجة إعلان أحادي من قبل فصيل مسلح.
الوضع في السودان يختلف جوهرياً عن التجربة الليبية، حيث تشكلت حكومة “تأسيس” دون أي عملية تفاوضية دولية أو موافقة من الأطراف الأخرى في الصراع. الحكومة المعترف بها دولياً المدعومة من مجلس السيادة الانتقالي وصفت تشكيل حكومة موازية مقترحة بأنه “عمل عدائي”، مما يجعل أي اعتراف دولي بمثابة تدخل في الشؤون الداخلية السودانية.
عدم الاعتراف لا يحرم الحكومة الموازية من الدعم فحسب، بل يعزلها أيضاً عن النظام المالي الدولي، مما يجعلها غير قادرة على إدارة موارد الدولة أو الدخول في شراكات اقتصادية فعالة، وهو ما يفسر التحديات الاقتصادية الجسيمة التي تواجهها المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث تفتقر لبنية مصرفية فعالة أو اتصال بالنظام النقدي الدولي.
من ناحية إجرائية، فإن تعيين مندوب دائم جديد لدى الأمم المتحدة يتطلب خطاب اعتماد رسمي من رئيس الدولة أو الحكومة المعترف بها، وموافقة الأمين العام للأمم المتحدة، وعدم وجود اعتراض من الحكومة المعترف بها دولياً. في الحالة السودانية، جميع هذه الشروط غير متوفرة، حيث رفضت الحكومة المعترف بها دولياً بشدة تعيين المندوب الجديد ووصفته بـ”الوهمي”.
السوابق التاريخية تُظهر أن الأمم المتحدة نادراً ما تعترف بحكومات موازية إلا في ظروف استثنائية جداً. حتى في حالة حكومة طالبان في أفغانستان، التي تمارس سيطرة فعلية على كامل البلاد منذ عام 2021، لم تحصل على اعتراف دولي رسمي من أي دولة. لم تعترف أي دولة بطالبان كحكومة جديدة لأفغانستان منذ وصولها للسلطة في أغسطس 2021، رغم سيطرتها الكاملة على الأراضي الأفغانية.
التحديات التي تواجه حكومة “تأسيس” في الحصول على اعتراف دولي تتجاوز القضايا القانونية الشكلية إلى مسائل أساسية في الشرعية والفعالية. إن آفاق تماسك حكومة تأسيس وحدها أمر بالغ التحدي، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي يبدو أمراً مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، خاصة مع استمرار الاشتباكات الداخلية بين وحدات قوات الدعم السريع نفسها وبينها وبين الميليشيات المتحالفة معها.
الأمم المتحدة تواجه معضلة عملية معقدة في التعامل مع هذا الوضع، حيث تحتاج لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع دون إضفاء شرعية سياسية على حكومتها الموازية. هذا النوع من التعامل التقني دون اعتراف رسمي مارسته المنظمة الدولية في حالات مشابهة، حيث تتعامل مع السلطات الفعلية لأغراض إنسانية محددة دون منحها اعتراف سياسي شامل.
التداعيات المحتملة لاستمرار الوضع الحالي خطيرة على مستقبل السودان ووحدته، حيث قد تؤدي الحكومة الموازية المدعومة من قوات الدعم السريع إلى تعقيد محادثات السلام وترسيخ تقسيم فعلي في السودان. المحللون يحذرون من أن تشكيل حكومتين متنافستين قد يشجع المزيد من الجماعات المسلحة على تشكيل إداراتها الخاصة أملاً في الحصول على مناصب في إحدى الحكومتين، مما يؤدي إلى مزيد من التفتت والانقسام.
الحل المستدام للأزمة السودانية لا يكمن في الاعتراف بحكومات موازية أو ترسيخ انقسام البلاد، بل في العودة إلى عملية سياسية شاملة تضم جميع الأطراف السودانية وتؤدي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية تحظى بالشرعية الداخلية والاعتراف الدولي. هذا يتطلب تنازلات من جميع الأطراف ونبذ للعنف والعمل من أجل سودان موحد ديمقراطي يخدم جميع مواطنيه بالعدل والمساواة. المجتمع الدولي مطالب بالضغط على جميع الأطراف للعودة للتفاوض وفرض حظر أسلحة صارم ودعم المجتمع المدني السوداني في عملية السلام، بدلاً من الانجرار إلى الاعتراف بكيانات تفتقر للشرعية الحقيقية وتهدد وحدة السودان ومستقبله.

زر الذهاب إلى الأعلى