الأعمدة

الوزير.. محي الدين سالم .. مابين دبلوماسية الممكن وخارجية الصراعات !

عشت في دولة الإمارات العربية المتحدة عمرا بحاله امتدت فترة عملي خلاله منذ مايو 1976 وانتهت في يونيو 2017..اي اثنان وارابعون عاما .
تعاقب على هذه المدة الطويلة على تمثيل السودان لدى ابوظبي ربما عشرة سفراء ان لم يزيد عن ذلك العدد .
كان من بينهم الشاب محي الدين سالم احمد ..غير ان الذي كان يميز ذلك الفتى إنه تدرج في سلم الدبلوماسية من اسفل درجاته إلى ان بلغ درجة السفير مما جعله يمكث اطول فترة يمكن ان يقضيها دبلوماسي في مرفق واحد وفي ذات الدولة المضيفة .
بعدها غادر محي سفارة ابوظبي متجولا في عدة عواصم منها اديس ابابا كسفير و مندوب لبلاده في الاتحاد الافريقي ثم عمل بسفارة السودان بالكويت وعاد إلى رئاسة الخارجية ثم عرج إلى القصر الجمهوري في فترة ما كموظف مراسم او شيء من ذلك القبيل لا اذكر بالتحديد .
غير أن كل تلك المحطات ربما لا تشكل تحديا امام الرجل بخبرته الدبلوماسية الطويلة وهو يتقلد الان اعلى منصب دبلوماسي كوزير للخارجية في الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور كامل ادريس .
إلا ان اجترار ذكريات عمله الطويلة في ابوظبي وعلاقات السودان والإمارات يلفها الكثير من الضباب في مرحلة تجعل تفكير الوزير مشتتا ما بين توخي النهج الدبلوماسي الاحترافي بعيدا عن العواطف الشخصية وبين تفعيل شخصيته لإعادة وزارته إلى حظيرة السطوة الدبلوماسية لانتشالها من فورة الصراعات السياسية واحتكار نهجها لمصالح جهات بعينها ظلت تفرغ هذا المرفق الحيوي من فعالية تسخيره لمد الجسور وتمتينها مع الخارج لا تهشيمها مع الاخرين بمعاول الازمات العارضة التي تفقد الحكومات احيانا شيئا من حكمتها في ترك العيش لخباره حتى لا يحترق في سخونة اللهيب السياسي الذي توجهه تلك الجهات بكل اسف لتتعامل مع تلك الازمات بوجه المقاطعة المعلنة زيفا بينما اياديها تتشابك بمحبة المصالح الخاصة مع تلك الدولة او هذه من تحت الطاولة في ازدواجية وانفصام يجعل المراقب تائها خلف سراب الحقيقة الذي يتباعد خادعا خلف المدى .
في عالم السياسة و مضمار العمل الدبلوماسي لا صلات دائمة تسير بالضرورة على خط مستقيم كما لا توجد قطيعة ابدا لا رجعة فيها بل إن المصالح البينية للدول هي التي تظل حاكمة للامور بينما المواقف العاطفية بين الشعوب لاتتأثر هبوطا تبعا لمعطيات كل مرحلة بعينها وان كانت قد تتضرر بصورة جزئية لا كلية .

اعود واقول ان ما يلي الوزير الحالي إن صحت حقيقة توليه حقيبة الخارجية وهو الدبلوماسي المحترف محي الدين سالم فعليه ان يستخدم كل المفاتيح التي تملكها خلال عمله الدبلوماسي من منطلق لكل باب مقام مفتاح يمكن ان يمكنه من الدخول الى دهاليز الامور و بلوغ خزائن الاسرار ليضيء عتمتها بقبس علاقته الرسمية و صلاته الشخصية على مستوى القيادات في هدا البلد او ذاك والاستفادة من شبكات الدبلوماسية الشعبية التي اسسها خلال تواجده هنا او هناك .
لا نقول إن مهمة الرجل سهلة ولكنها ليست مستحيلة قياسا إلى توفر استقلالية القرار بعيدا عن تلك التاثيرات تربك المشهد في وزارته ذات الاهمية الاستراتيجية مما يتطلب تفعيل ممسحة تنظيف عقلية عملها الاساسي التي استلبت السياسات العرجاء دورها الدبلوماسي الحصيف و إدخلتها في دائرة الانفعال الصبياني الذي يهدم ولا يبني ,

والله من وراء القصد .

زر الذهاب إلى الأعلى