الأعمدة

العلمانية والوسطية في مواجهة مافيا الإسلاميين في السودان

✍️محمد الفاتح حضرة
حين نتأمل التجربة السودانية والتركية، ونضعهما في سياق علاقة الدين بالدولة، تتكشف أمامنا حقائق كبرى ومفارقات صادمة .
🌿 العلمانية في تركيا: بين الصرامة والاستمرار في التدين
في تركيا، طُبّقت العلمانية منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك بقسوة وصرامة شديدة، وصلت إلى حدّ حظر الرموز الدينية في الحياة العامة. ومع ذلك ظل الشعب التركي متمسكاً بإسلامه وشريعته وأخلاقه، فلم تُخرجهم العلمانية من الدين، بل ظلوا مسلمين صالحين يؤدون شعائرهم ويتمسكون بمعتقداتهم.
بل إن حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان لم يُلغِ العلمانية، بل أعاد تعريفها باعتبارها “ضمانة لحرية المعتقد لكل المواطنين”، أي أنها ليست حرباً على الدين وإنما حماية للتنوع. وهنا المفارقة الكبرى: أن قادة الحركة الإسلامية السودانية اليوم يعيشون في تركيا، ويتمتعون بحماية قوانينها العلمانية، بينما يحرّضون السودانيين ضد العلمانية، ويصفون القوى المدنية والثورية بـ”الخونة” لأنهم يسعون إلى تطبيقها في السودان! 🙄
⚖️ السودان والعلمانية العملية قبل الإسلاميين
منذ عهد الاستعمار وحتى ما قبل انقلاب “الإنقاذ” 1989، كان السودان يعيش حالة من العلمانية العملية، حتى وإن لم تُذكر في الدستور. الدولة كانت محايدة تجاه الأديان، والنتيجة أن السودان كان بلداً تسوده العدالة والنزاهة:
لم يكن الفساد المالي والإداري معروفاً، وكان السودانيون يرفضون الرشوة والمحسوبية وأخذ العمولة باعتبارها حراماً وفساداً.
كان السودان يعيش حالة من الوسطية والاعتدال، يتطور اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، ويقيم علاقات واسعة مع كل دول العالم دون تطرف.
علاقاته مع الصين وروسيا والهند وغيرها من الدول الملحدة أو الشيوعية كانت مثمرة، فجاءت مشاريع ثقافية كبرى مجاناً: قاعة الصداقة، فرقة الأكروبات، قصر الشباب والأطفال، ومعهد الموسيقى والمسرح.
حتى علاقاته مع إثيوبيا وتشاد كانت جسراً ثقافياً رائعاً، حيث انتشرت الأغاني السودانية هناك وأحب الناس فن السودان.
وفي تلك الحقبة، كان السوداني مثالاً للنزاهة والأمانة في الخليج والعالم، ولم يكن يُعرف عن السودانيين ارتكاب الجرائم أو الاحتيال. أما بعد تجربة الحركة الإسلامية، صار السوداني يُنظر إليه كإرهابي ومشتبه به، وتناقلت الأخبار يومياً جرائم النهب والشعوذة والاحتيال 🤦‍♂️.
🛑 تجربة الحركة الإسلامية: أسوأ إساءة للإسلام
تجربة جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في السودان شكّلت أكبر إساءة للإسلام في العصر الحديث. فقد قدّموا أسوأ مثال لأخلاق البشر:
فساد مالي وإداري بلا حدود.
سفك دماء وانتهاكات بشعة.
أكل أموال الناس بالباطل.
شرعنة الكذب والخيانة والمكر السياسي بمكيافيلية بغيضة.
🔹 بلغ الأمر أن ابتدعوا فقه “التحلل”، وهو نص قانوني يُتيح للسارق من المال العام أن يُعيد بعض ما سرق ثم يخرج بريئاً! فانتشر الفساد المالي بشكل فظيع، وتحوّل السودان إلى جحيم من المحسوبية والنهب.
🔹 على النقيض، الإسلام الصحيح يقول النبي ﷺ فيه: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحاسب ولاته أدق الحساب، حتى يراجع ثرواتهم بعد توليهم المنصب. وكذلك عمر بن عبد العزيز الذي عُرف بنزاهته وعدله حتى صار يُطفئ السراج إذا أراد التحدث في شؤونه الخاصة لأنه سراج الدولة!
📖 حرية التدين في الإسلام
القرآن والسنة يقرران قاعدة ذهبية: لا إكراه في الدين.
{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة: 256]
{ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } [الكهف: 29]
{ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } [يونس: 99]
والنبي ﷺ لم يُكره أحداً على الإسلام، بل دعا بالحسنى. والإسلام انتشر في آسيا وأفريقيا بالتجارة والصدق والأمانة، لا بالفتوحات وحدها.
لكن الحركة الإسلامية شوّهت هذا المبدأ العظيم:
في جنوب السودان أعلنوا الجهاد على مواطنين سودانيين لمجرد أنهم غير مسلمين، وخدعوا الشباب وزجّوا بهم في حرب أهلية أودت بحياة الملايين.
واليوم يكررون المشهد في دارفور، حيث يصوّرون أهلها كأعداء للإسلام فقط لأن بعضهم يُعد حاضنة اجتماعية للدعم السريع. وصل الأمر إلى سنّ “قانون الوجوه الغريبة”، الذي يتيح قتل أو طرد أو إعدام الناس لمجرد الشبهة أو رسالة واتساب! 😡
وهذا كله مع أن الإسلام أمر: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا }، وحذّر النبي ﷺ قائلاً: “من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة”.
🛑 اعترافات الإسلاميين أنفسهم
المفارقة أن بعض قادة الإسلاميين أنفسهم اعترفوا بفشل التجربة:
الدكتور حسن الترابي أقرّ بأن التجربة مليئة بالفساد والمحسوبية وتشويه الإسلام.
الدكتور الشنقيطي من قطر كتب بوضوح أن تجربة الإسلاميين في السودان أفسدت الدين والسياسة معاً.
أسامة بن لادن وصف نظام الحركة الإسلامية في السودان بأنه مزيج من التدين والمافيا والجريمة المنظمة!
🛑🌿 الخلاصة
العلمانية ليست كفراً ولا حرباً على الدين كما يروّج الكيزان، بل هي قواعد لضمان العدل والمساواة والحرية للجميع، وهي ذات المبادئ التي جاء بها الإسلام في المدينة المنورة.
أما جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني فقد قلبوا الموازين: رفعوا راية الدين ستاراً للفساد والقتل والعنصرية، وأدخلوا السودان في نفق مظلم لم يخرج منه حتى اليوم.
🛑 والآن، هذه الحرب الدائرة ليست سوى ثمرة مُرّة لذلك المشروع المزيّف، لكنها في ذات الوقت كشفت كل الزيف وأظهرت للناس أن ما رفعوه من شعارات “الإسلام هو الحل” لم يكن إلا ستاراً لأبشع فساد عرفه السودان في تاريخه.

زر الذهاب إلى الأعلى