” عندما يقتل الفساد الأحلام: كيف دمّر نظام البشير حلم السودانيين الرياضي بينما تتقدم أفريقيا”


كتب: معاوية أبوالريش
في وقت تشهد فيه القارة الأفريقية نهضة رياضية حقيقية، وتقف دول بأكملها شاهدة على قوة الإرادة السياسية النزيهة في تحويل الأحلام إلى واقع ملموس. وبينما ترفع الصومال رأسها عالياً بملعب مقديشو الذي بات رمزاً للانبعاث من الرماد، وبينما يستعد المغرب لاستضافة كأس الأمم الأفريقية ٢٠٢٥م وكأس العالم ٢٠٢٦م بملاعب عالمية، يقف السودان عاجزاً أمام مشروع مدينته الرياضية التي بدأت منذ ثلاثة عقود ولم تكتمل بعد، ضحية للفساد المنظم الذي مارسه نظام عمر البشير طوال ثلاثين عاماً.
جريمة في وضح النهار: كيف نُهبت أموال الشعب السوداني؟
في عام 1995، انطلق مشروع المدينة الرياضية السودانية على مساحة 1.48 مليون متر مربع، وسط آمال عريضة بأن تصبح أكبر مدينة رياضية في أفريقيا. كانت الأحلام كبيرة، والطموحات عالية، والأهم من ذلك كله: كانت الأموال متوفرة. تدفقت التبرعات من الأشقاء العرب، وساهم الشعب السوداني بحماس منقطع النظير في تمويل هذا الحلم الوطني.
لكن ما حدث بعد ذلك كان جريمة منظمة في وضح النهار. خلال ٣٠ سنة من حكم البشير، تحولت المدينة الرياضية إلى مسرح لأكبر عمليات النهب والفساد في تاريخ السودان الحديث. المساحة التي بدأت بـ1.48 مليون متر مربع تقلصت بنسبة مذهلة تجاوزت 73%، لتصل إلى أقل من 408 ألف متر مربع فقط – مساحة تكفي بالكاد لبناء ملعب أولمبي عادي.
الإخوان المسلمون: كيف حوّلوا الحلم إلى كابوس؟
تولت شركة “دانفوديو”، إحدى أذرع تنظيم الإخوان المسلمين الاقتصادية، تنفيذ المشروع، وهنا بدأت الكارثة الحقيقية. بدلاً من بناء صرح رياضي يفخر به السودانيون، تحول المشروع إلى مضمار سباق محموم بين نافذي النظام السابق للحصول على أكبر قدر من الأموال والأراضي.
استغل المقربون من البشير المساحات الشاسعة المخصصة للمدينة الرياضية لبناء فلل فاخرة ومجمعات استثمارية، محققين مكاسب ضخمة على حساب حلم الشعب السوداني. كانت هذه عملية نهب منظم للمال العام والأراضي القومية، تمت تحت غطاء مشروع وطني.
الانتهاك الصارخ للقانون والدستور:
وفقاً لقانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930، وتحديداً المادة الخامسة، فإن الأراضي المنزوعة لغرض عام لا يمكن التصرف فيها لأغراض أخرى. لكن نظام البشير ضرب بهذا القانون عرض الحائط، وانتهك الدستور السوداني الذي يحظر التصرف في الأراضي القومية.
تشير التحقيقات إلى أن المتورطين في هذه الجريمة يمكن أن يحاكموا تحت المادة 177 من القانون الجنائي، التي تنص على عقوبات رادعة في قضايا الدولة المتعلقة بخيانة الأمانة. لكن الضرر كان قد وقع، والأموال قد اختفت، والحلم قد تحطم.
بينما السودان ينكمش.. أفريقيا تتقدم بخطى واسعة:
في الوقت الذي كان فيه الفاسدون في السودان ينهبون أموال المدينة الرياضية، كانت دول أفريقية أخرى تخطو خطوات جبارة نحو التطور الرياضي. الصومال، التي عانت من حرب أهلية مدمرة، استطاعت في سنوات قليلة أن تعيد بناء ملعب مقديشو ليصبح صرحاً رياضياً يتسع لـ65 ألف متفرج ويلبي معايير الفيفا والكاف.
المغرب خصص 20 مليار درهم لتأهيل وبناء ملاعب كأس العالم 2030، وأصبح يمتلك بنية تحتية رياضية تحظى بإشادة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم. حتى الدول الأفريقية الأخرى التي كانت تعاني من تحديات اقتصادية، استطاعت أن تحقق إنجازات رياضية ملموسة.
الثمن الباهظ للفساد:
ثلاثون عاماً مرت، والرياضيون السودانيون ما زالوا ينتظرون. المساحة التي كانت مخصصة لتكون أكبر مدينة رياضية في أفريقيا، أصبحت اليوم موقعاً عسكرياً يتعرض للقصف في ظل الحرب الدائرة. الحلم الذي راود أجيالاً من السودانيين تحول إلى كابوس يجسد حجم الدمار الذي يمكن أن يحدثه الفساد.
اليوم، لا يمتلك السودان ملعباً واحداً مستوفياً لشروط الفيفا والكاف، في انتكاسة تاريخية لبلد كان رائداً في الرياضة الأفريقية. هذا الواقع المرير يجعل تطوير البنية التحتية الرياضية ضرورة ملحة لكي تتطور الرياضة السودانية وتستعيد مكانتها القارية والعالمية.
من الريادة إلى التراجع: كيف سقط السودان من القمة الى القاع؟
المفارقة المؤلمة أن السودان كان أول بلد أفريقي يستضيف كأس الأمم الأفريقية على أرضه عام 1959، في حدث تاريخي وضع السودان في المقدمة الرياضية للقارة. كانت تلك اللحظة فارقة في تاريخ كرة القدم الأفريقية، وكان السودان يقود القارة نحو مستقبل رياضي واعد.
لكن ستة عقود مضت، والسودان اليوم أصبح غير قادر على استضافة البطولات القارية بسبب عدم امتلاكه لبنية تحتية رياضية مؤهلة لذلك. البلد الذي كان رائداً في الرياضة الأفريقية، بات يضطر لإقامة مبارياته الدولية في ملاعب دول أخرى، في مشهد يجسد عمق السقوط الذي تسبب فيه الفساد.
تداعيات كارثية على الرياضة السودانية:
إن غياب البنية التحتية الرياضية المؤهلة لا يقتصر تأثيره على عدم القدرة على الاستضافة فحسب، بل يمتد ليشمل تطوير المواهب الرياضية وإعداد الأجيال الجديدة. بينما تستثمر الدول الأفريقية الأخرى مليارات الدولارات في أكاديميات رياضية حديثة ومراكز تدريب متطورة، يفتقر السودان إلى أبسط المقومات الرياضية.
شعب شغوف محروم من مساندة فرقه:
الشعب السوداني شعب شغوف بكرة القدم بطبيعته، يعيش ويتنفس اللعبة الشعبية، ويملأ الشوارع والمقاهي حماساً لمتابعة مباريات فرقه المحبوبة. لكن هذا الشغف الجارف يصطدم بواقع مرير: المنتخب الوطني السوداني وأندية القمة مثل الهلال والمريخ وغيرها من الأندية السودانية الأخرى تلعب مبارياتها في المسابقات القارية خارج السودان، حتى قبل اندلاع الحرب الحالية.
السبب واضح وموجع: عدم إجازة الملاعب السودانية وعدم مطابقتها لمعايير وشروط الكاف والاتحاد الدولي. هذا الواقع المؤلم يعني أن المنتخب السوداني والأندية تخوض مبارياتها وهي محرومة من مساندة الجماهير السودانية، تلك المساندة التي تعتبر العامل الثاني عشر في أي مباراة كرة قدم.
مأساة الاغتراب الرياضي القسري:
تخيل أن تكون من أشد مشجعي الهلال أو المريخ، لكنك لا تستطيع أن تراهما يلعبان في دوري أبطال أفريقيا إلا عبر شاشات التلفزيون، بينما يلعبان في ملاعب مصر أو المغرب أو موريتانيا أو تنزانيا . هذا هو الواقع الذي يعيشه ملايين السودانيين، محرومين من لذة التشجيع المباشر لفرقهم في أهم المسابقات.
المنتخب السوداني، الذي حقق إنجازات تاريخية وتأهل لكأس الأمم الأفريقية 2025، اضطر لخوض تصفيات التأهيل بعيداً عن أرضه وجماهيره ببنغازي الليبية. أندية مثل الهلال والمريخ وغيرها من الفرق العريقة، تلعب “في المنفى الرياضي” بعيداً عن حضن جماهيرها الوفية.
هذا الواقع يحرم السودان من استضافة البطولات الإقليمية والقارية التي تجلب استثمارات ضخمة وتنشط السياحة الرياضية. دول مثل المغرب ومصر وجنوب أفريقيا تحصد مليارات الدولارات سنوياً من استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، بينما يخسر السودان هذه الفرص الذهبية بسبب إرث الفساد الثقيل.
الدرس القاسي والطريق نحو النهضة:
ما حدث في السودان يقدم درساً قاسياً لكل من يتولى المسؤولية العامة: الفساد لا يدمر الحاضر فحسب، بل يقتل المستقبل أيضاً. بينما كانت دول أفريقية أخرى تبني وتتقدم، كان نظام البشير ينهب ويدمر، تاركاً وراءه إرثاً من الخراب والأحلام المكسورة.
الصومال أثبتت أن الإرادة السياسية النزيهة يمكنها أن تصنع المعجزات حتى في أصعب الظروف. المغرب ودول أفريقية أخرى أظهرت كيف يمكن للاستثمار الصحيح في البنية التحتية الرياضية أن يحقق نهضة حقيقية ويعزز الهوية الوطنية.
الاستثمار في الرياضة: محرك للتنمية الاقتصادية:
تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن الاستثمار في البنية التحتية الرياضية يحقق عوائد مضاعفة على المدى الطويل. فالملاعب الحديثة لا تخدم الرياضة فحسب، بل تصبح مراكز اقتصادية تجذب الاستثمارات وتوفر فرص العمل وتنشط القطاعات المرتبطة مثل السياحة والضيافة والنقل.
المغرب، على سبيل المثال، يتوقع أن تدر استثماراته الرياضية مليارات الدولارات من عوائد استضافة كأس الأمم الأفريقية 2025 وكأس العالم 2030. هذه العوائد كان يمكن للسودان أن يحصدها لو لم يقع ضحية للفساد المنظم.
ضرورة إعادة البناء من الصفر:
اليوم، يحتاج السودان إلى إعادة بناء منظومته الرياضية من الصفر، وهو تحدٍ جبار يتطلب إرادة سياسية صلبة ورؤية طويلة المدى. الأولوية يجب أن تكون لبناء ملاعب تستوفي معايير الفيفا والكاف، وإنشاء أكاديميات رياضية لرعاية المواهب، وتطوير البنية التحتية المساندة.
كما يتطلب الأمر وضع استراتيجية شاملة لمكافحة الفساد وضمان الشفافية في إدارة المشاريع الرياضية، لضمان عدم تكرار الكارثة التي حلت بالمدينة الرياضية. الرقابة الصارمة والمحاسبة الفورية لأي محاولات فساد هي السبيل الوحيد لحماية الأموال العامة وضمان تحقيق الأهداف المرسومة.
السودان، يبقى مثالاً حزيناً على كيف يمكن للفساد أن يحول الأحلام إلى كوابيس، والطموحات إلى خيبات. المدينة الرياضية التي كان من المفترض أن تكون رمزاً للنهضة السودانية، أصبحت رمزاً لفشل نظام البشير وفساد المنتسبين إليه.
اليوم، وبعد سقوط النظام الفاسد، يبقى الأمل في أن تأتي قيادة جديدة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتعيد إحياء الحلم السوداني المدفون تحت أنقاض ثلاثة عقود من الفساد والإهمال. ملعب مقديشو يقف شاهداً على أن المعجزات ممكنة، وأن الشعوب تستحق قيادات تحقق أحلامها بدلاً من نهبها، وأن السودان قادر على العودة إلى ريادته الأفريقية إذا توفرت الإرادة الصادقة والعمل النزيه.



