الانتصار عبر القتل ليس من شيم الشجعان. لقد كانت ملحمة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش تجسيداً حقيقياً لشجاعة البواسل؛
✦ مسلسل "العودة إلى حضن الوطن": هل هو انحياز للسلام أم مجرد تبديل للمراكز القتالية؟

✨ بقلم: الصادق علي حسن
إن التخلي عن وسائل القتال والحروب وانتهاج السبل السلمية لتحقيق الغايات والمطالب، مهما كانت الظروف، هو بلا شك مَحمَدة؛ فالانتصار عبر القتل ليس من شيم الشجعان. لقد كانت ملحمة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش تجسيداً حقيقياً لشجاعة البواسل؛ شبابٌ عزل في ريعان العمر، وقفوا أمام أسوار “الطاغية” وجنوده المدججين بالسلاح، يهتفون بحناجر قوية يطالبونه بالرحيل، متمسكين بشعاراتهم السلمية: (حرية، سلام، وعدالة).
لا يمكن مضاهاة تلك الشجاعة المدنية بشجاعة حملة السلاح الذين يهاجمون المدن والقرى الآمنة؛ فالقضايا العادلة والمشروعة، ما لم يطالب بها أصحاب الضمير الأخلاقي، ستظل مجرد وسيلة للتنقل بين المراكز القتالية بحثاً عن المكاسب.
إن إعلان “النور قبة”، ومن بعده “علي رزق الله” الشهير بـ(السافنا)، وقبلهما “موسى هلال” وآخرون، ليس نابعاً من رغبة في التخلي عن الحرب، بل هو “تغيير للمراكز القتالية” فقط. وما يهم الإنسان العادي ليس “من ذهب إلى هناك” أو “من أتى من هنا”، بل الأثر الإيجابي الحقيقي المتمثل في الانتقال من مربع القتال إلى مربع وضع السلاح نهائياً.
✦ مكالمة من “السافنا”: خفايا ما قبل الانفجار
قبل أسابيع قلائل من اندلاع حرب 15 أبريل 2023م، تلقيت مكالمة هاتفية من (السافنا). كان يطلب “العون القانوني” من هيئة محامي دارفور لضمان محاكمة عادلة، مدعياً أن “حميدتي” دبر له مكيدة للزج به في السجن في جريمة لم يرتكبها.
وعندما سألته عن سبب لجوئه للهيئة رغم وجود محامٍ يتولى دفاعه، أجاب بأن دعواه كيدية تهدف لإبقائه في الحبس لأطول فترة ممكنة، وأن تدخل الهيئة سيعجل بالإجراءات. تواصلت لاحقاً مع محاميه وزوجته، وتبين أن (السافنا) كان يتمتع بحراسة كاملة وعربة خاصة، والمفارقة الصارخة هنا هي أن مرتبات حراسه كانت تُدفع من “الخزينة العامة للدولة” (أموال دافعي الضرائب)، بتوجيه من (البرهان وحميدتي)، رغم أنه لم يكن قائداً رسمياً في الجيش!
اكتفت الهيئة آنذاك بمطالبة أجهزة العدالة بإحالة (السافنا) للمحاكمة دون إبطاء، وهو موقف نابع من إرساء ثقافة “سيادة حكم القانون”، لا انحيازاً لشخصه.
✦ لعبة الكراسي: القبيلة كضامن للمنصب
يبدو أن (البرهان) قد استنسخ خبرات “المؤتمر الوطني” في توظيف القبائل سياسياً للحفاظ على السلطة، لكنه قد لا يدرك أن حال القبائل اليوم ليس كالأمس. لقد صار للقبيلة سلاح وصوت جهور، وبات الانتماء القبلي هو الضامن الوحيد للحصول على المنصب العام أو التمسك به.
نشهد اليوم سجالات حامية بين أنصار (البرهان) وأنصار (جبريل إبراهيم)؛ حيث يتمسك الأخير بوزارة المالية كاستحقاق قبلي/حركي، بينما يحتج آخرون على إبعاد “شمس الدين الكباشي” أو تعيين “ياسر العطا”، في صراعات تتجاوز نصوص قانون القوات المسلحة لتتمحور حول “الرمزية القبلية”.
✦ الخلاصة: حصاد الهشيم
إن عودة (النور قبة) وموسى هلال، واقتراب عودة (السافنا) وغيرهم، ليست سوى وقود لمزيد من القتال وتشظي المكونات القبلية. في هذه “اللعبة”، لن تقبل فروع القبائل دور “الكومبارس”؛ بل ستستمر في إنتاج حركات مسلحة جديدة وتحالفات هشة.
إننا نعيش حالة “اللادولة”، حيث تتبدل الولاءات كما قال (مناوي): “مرة مع دول ومرة مع دول”، والنتيجة النهائية لن تكون سوى “حصاد الهشيم” في وطن تُدفع فيه أموال الشعب لتمويل المليشيات بدلاً من بناء المؤسسات



