


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
صدى كلمات خالدة في واقع مؤلم:
في لحظة تاريخية فارقة، وجّه الشريف حسين الهندي سؤالاً مدوياً للمؤسسة العسكرية السودانية: “لماذا تحرسون نظاماً فاسداً؟ إن البنادق التي تحملونها قد أُعطيت لكم من دافع الضرائب السوداني لكي تحافظوا على حريته ودستوره وكرامته وديمقراطيته وعيشه الكريم”
هذا السؤال، الذي بدا وكأنه صرخة في البرية آنذاك، يتردد اليوم بقوة مضاعفة في أذهان الملايين من السودانيين الذين يشهدون المأساة ذاتها تتكرر، بل وتتفاقم، في ثوب جديد، فالكلمات التي نطق بها الهندي قبل عقود لم تفقد راهنيتها، بل أصبحت أكثر إلحاحاً وضرورة في ظل الواقع السوداني المعاصر.
من الثورة إلى الخيانة: رحلة الأمل المجهض: عندما انتفض الشعب السوداني في ديسمبر 2018، حمل في قلبه حلماً واضحاً ومشروعاً: إسقاط نظام المؤتمر الوطني الفاسد وبناء سودان ديمقراطي يليق بتضحيات أبنائه. وقد نجحت هذه الانتفاضة المجيدة في إزالة رمز الفساد عمر البشير من السلطة، لكن جذور النظام البائد ظلت راسخة في أعماق مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي كان من المفترض أن تكون حارسة أمينة لإرادة الشعب.غير أن ما حدث بعد ذلك كان بمثابة انقلاب صارخ على كل ما آمن به الشعب السوداني وضحى من أجله. فبدلاً من أن تقف المؤسسة العسكرية إلى جانب الشعب في مسيرته نحو الديمقراطية، اختارت أن تكون الأداة التي يستخدمها النظام القديم لاسترداد نفوذه المفقود. وهكذا تحولت “قوات الشعب المسلحة” – وهو الاسم الذي كان يحمل في طياته معنى الانتماء للشعب والدفاع عن مصالحه – إلى مجرد “قوات النظام المسلحة” التي تدافع عن مصالح فئة ضيقة على حساب الوطن والمواطن.
المفارقة المؤلمة: عندما يصبح الحامي معتدياً: إن الحقيقة التي أكدها الشريف حسين الهندي أن “البنادق التي تحملونها قد أُعطيت لكم من دافع الضرائب السوداني” تكشف اليوم عن مفارقة مؤلمة ومدمرة. فالشعب السوداني الذي يكدح ويعمل ويدفع الضرائب لتمويل جيشه، يجد نفسه اليوم هدفاً لهذا الجيش نفسه. والموارد التي كان من المفترض أن تُوجه لحماية الوطن وخدمة المواطن، تُستنزف اليوم في حرب عبثية لا هدف لها سوى إعادة إنتاج النظام القديم تحت مسميات جديدة.
لقد أصبحت هذه الموارد، التي هي حق للشعب السوداني، أداة لقمعه وإذلاله. فبدلاً من أن تُستخدم البنادق “لكي تحافظوا على حريته ودستوره وكرامته وديمقراطيته وعيشه الكريم” كما دعا الهندي، أصبحت تُستخدم لتحقيق النقيض تماماً: مصادرة الحريات، وتعليق الدستور، وانتهاك الكرامة، وإجهاض الديمقراطية، وتدمير سبل العيش الكريم.
التحالف المدمر: عندما يخون الجيش رسالته: إن ما يجعل المأساة أكثر إيلاماً هو أن هذا التحول لم يحدث بمعزل عن التخطيط والتآمر. فقد تشكل تحالف مدمر بين قيادات في الجيش السوداني، بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، وبين رموز النظام البائد من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. هذا التحالف الذي لم يعد سراً، يعمل بكل الوسائل المتاحة لإعادة تدوير النظام القديم والعودة به إلى السلطة، حتى لو كان ثمن ذلك هو تدمير السودان وإغراقه في حرب لا تنتهي.
وهكذا تحولت المؤسسة العسكرية من كونها درعاً يحمي الوطن من أعدائه، إلى سيف مسلط على رقبة الشعب الذي من المفترض أن تحميه. ومن كونها أداة للدفاع عن سيادة البلاد واستقلالها، إلى أداة لفرض إرادة فئة ضيقة على الشعب بأكمله. ومن كونها رمزاً للعزة والكرامة الوطنية، إلى رمز للقهر والاستبداد.
الحرب العبثية: ثمن العودة إلى الماضي: الحرب الدائرة اليوم في السودان ليست مجرد صراع عسكري عابر، بل هي تجسيد واضح لهذا التحالف المدمر وأهدافه المشبوهة. إنها حرب لا معنى لها سوى تأمين عودة الإسلاميين إلى السلطة بمساعدة قيادات الجيش التي خانت قسمها ورسالتها. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الأناني والضيق، يُستنزف كل ما يملكه السودان من موارد وطاقات.
فالأموال التي كان يجب أن تُنفق على التنمية والتعليم والصحة والبنية التحتية، تُهدر اليوم على آلة الحرب المدمرة. والشباب الذي كان يجب أن يكون قوة بناء وإعمار، يُزج به في أتون صراع لا ناقة له فيه ولا جمل. والطاقات التي كان يجب أن تُوجه نحو بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة، تُضيع في محاولة يائسة لإحياء ماضٍ بائد ومرفوض شعبياً.
شهادات الضمير الحي: أصوات من داخل المؤسسة:ولكن ليس كل من يرتدي البزة العسكرية قد انحنى أمام إغراءات السلطة أو انجرف مع تيار الفساد. فثمة أصوات شجاعة ارتفعت من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، أصوات ضباط شرفاء رفضوا أن يكونوا جزءاً من هذه المؤامرة على الوطن والشعب. هؤلاء الضباط، الذين يحملون في قلوبهم معنى الواجب الحقيقي، يذكروننا بأن المؤسسة العسكرية ليست كتلة واحدة، وأن فيها من لا يزال يؤمن بالرسالة الأصيلة التي دعا إليها الهندي.
هذه الأصوات المقاومة داخل الجيش تؤكد أن كلمات الشريف حسين الهندي لم تسقط في أذان صماء تماماً، وأن هناك من لا يزال يدرك أن “البنادق التي يحملونها قد أُعطيت لهم من دافع الضرائب السوداني”وليس من جيوب المتنفذين والفاسدين. وأن واجبهم هو الوقوف مع الشعب وليس ضده، مهما كانت الضغوط والإغراءات.
الثمن الإنساني: عندما تسيل دماء الأبرياء: إن أبشع ما في هذه المأساة هو الثمن الإنساني الفادح الذي يدفعه الشعب السوداني جراء هذه الحرب العبثية. فالأطفال الذين كان يجب أن يكونوا في المدارس أصبحوا نازحين أو يتامى، والنساء اللواتي كنّ يحلمن بمستقبل أفضل لأسرهن أصبحن أرامل أو مشردات، والشباب الذين كانوا يسعون لبناء حياتهم ومستقبلهم أصبحوا ضحايا لحرب لم يختاروها ولا يريدونها.
هذا الدم السوداني الطاهر الذي سال في شوارع الخرطوم ودارفور وكردفان وغيرها من أقاليم السودان، يصرخ بوجه كل من يدّعي أنه يحارب دفاعاً عن الوطن والكرامة . فأي وطن هذا الذي يُبنى على جماجم أبنائه؟ وأي عزة هذه التي تُحقق بإذلال المواطنين؟ وأي نصر هذا الذي يُحتفل به وسط أنين الثكالى ودموع الأيتام؟
الإرث المسموم: كيف دمّر النظام البائد مؤسسات الدولة: لا يمكن فهم هذا التحول المأساوي في سلوك المؤسسة العسكرية دون العودة إلى الجذور التاريخية للمشكلة. فنظام المؤتمر الوطني، خلال الثلاثين عاماً من حكمه المدمر، لم يكتفِ بنهب ثروات البلاد وقمع شعبها، بل عمد إلى تدمير مؤسسات الدولة من الداخل، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. لقد حوّل هذا النظام الجيش من مؤسسة وطنية مهنية إلى أداة طائفية وحزبية تخدم مصالحه الضيقة.
ومن خلال سياسة التمكين والإقصاء، نجح النظام البائد في زرع عناصره الموالية في المناصب القيادية في الجيش، وتهميش الضباط الوطنيين الشرفاء. وهكذا أصبحت المؤسسة العسكرية مخترقة من الداخل، ومسكونة بفكر وممارسات النظام الذي من المفترض أن تكون محايدة تجاهه. وهذا ما يفسر سهولة الانقلاب على الحكومة المدنية والعودة إلى ممارسات الماضي البغيض.
البعد الإقليمي والدولي: مؤامرة أم مصالح متضاربة؟ لا يمكن أيضاً تجاهل البُعد الإقليمي والدولي لهذه الأزمة. فالسودان، بموقعه الاستراتيجي وثرواته الطبيعية الهائلة، يقع في قلب صراعات ومصالح القوى الإقليمية والدولية. وقد استغلت بعض هذه القوى حالة عدم الاستقرار في البلاد لتحقيق مكاسب على حساب الشعب السوداني.
ولكن هذا لا يعني أبداً أن نلقي باللوم على الآخرين ونتجاهل مسؤولياتنا الداخلية. فالمؤامرات الخارجية لا تنجح إلا عندما تجد أرضاً خصبة من الداخل، وعندما يكون هناك من هو مستعد للعب دور الوكيل والأداة. وهذا بالضبط ما حدث مع قيادات الجيش الحالية التي سمحت لنفسها بأن تكون جزءاً من هذه المعادلة المدمرة.
نداء الأمل: الطريق نحو الخلاص:
رغم كل هذه المآسي والانتكاسات، يبقى الأمل موجوداً في قلوب السودانيين. فالشعب الذي صنع ثورة ديسمبر المجيدة قادر على أن يصنع معجزة أخرى. والمؤسسة العسكرية التي تضم في صفوفها ضباطاً شرفاء قادرة على أن تصحح مسارها وتعود إلى رشدها. والسودان الذي أنجب الشريف حسين الهندي وأمثاله من الرجال العظام قادر على أن ينجب جيلاً جديداً يحمل مشعل التغيير والإصلاح.
إن الطريق نحو الخلاص يبدأ بالاعتراف بالخطأ والعودة إلى الصواب. يبدأ بأن تتذكر المؤسسة العسكرية رسالتها الحقيقية ووظيفتها الأساسية. يبدأ بأن يعود الجيش إلى الشعب، وأن تعود “قوات الشعب المسلحة” إلى اسمها الحقيقي ومعناها الأصيل.
الخلاصة: نداء للضمير المفقود: وفي خضم هذا المشهد المأساوي، تبقى كلمات الشريف حسين الهندي صرخة ضمير تتردد في أرجاء الوطن، مذكرة كل من يحمل السلاح بحقيقة بسيطة وأساسية: إن البندقية التي في يدك مُمولة من عرق الشعب ودموعه، ومن المفترض أن تكون في خدمته وحمايته، وليس أداة لقمعه وإذلاله.
إن على القيادات العسكرية الشريفة – إن كان لا يزال هناك شرفاء في صفوفها – أن تعود إلى رشدها وتتذكر رسالتها الحقيقية. وأن تدرك أن الواجب الأساسي للجيش هو حماية الوطن من أعدائه الحقيقيين، وليس حماية نظام سقط بإرادة شعبية واضحة وقاطعة. وأن تفهم أن شرف المؤسسة العسكرية يكمن في انحيازها للشعب وقضاياه العادلة، وليس في تحالفها مع القوى المناهضة لإرادته وتطلعاته.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح اليوم، والذي يحمل في طياته أمل شعب بأكمله، هو: متى ستعود “قوات الشعب المسلحة” إلى اسمها ووظيفتها ورسالتها الحقيقية؟ ومتى ستتوقف عن كونها مجرد “قوات النظام المسلحة” التي تدافع عن مصالح فئة ضيقة على حساب الوطن والشعب؟
إن الإجابة على هذا السؤال ليست مجرد قضية سياسية أو عسكرية، بل هي قضية ضمير ووجدان، قضية شرف وكرامة، قضية مستقبل وطن ومصير شعب. والتاريخ لن يرحم من يقف في الجانب الخطأ من هذه المعادلة، كما لن ينسى من يختار أن يكون إلى جانب الحق والعدالة وإرادة الشعب.



