
ضياء الدين محمد أحمد
في السودان، لا يمثل العنف ضد المرأة مجرد حالات فردية، بل يعكس خللاً هيكليًا في علاقة الدولة بالجسد والمجتمع. فالقوانين، والسياسات، وأجهزة الأمن، والخطاب العام، كلها تساهم في ترك النساء عرضة للإساءة، ويُحول الجسد النسوي إلى ساحة للصراع بين السلطة والمجتمع، بدلاً من أن يكون محميًا ومكرَّسًا للمواطنة.
القانون السوداني لم يوفر الحماية الكاملة للمرأة، بل في أحيان كثيرة كان أداة لإضفاء الشرعية على قيود تقيّد حريتها. قوانين النظام العام، على سبيل المثال، أعادت تعريف المرأة كخطر محتمل على القيم، وجعلت أي انتهاك للحقوق مجرد مسألة ضبط اجتماعي، وليس جريمة تستوجب مساءلة الدولة. في ظل هذا القانون، تعرضت النساء للجلد، والاعتقال، والتشهير، لمجرد مخالفة تصورات أخلاقية فرضتها الدولة، وهو ما أضاف طبقة من التحكم المؤسسي على حياتهن اليومية.
الحرب والنزاع المسلح زادا الوضع تعقيدًا. فالنساء لم يواجهن العنف الجسدي فقط، بل أيضًا الانتهاكات النفسية، والاقتصادية، والاجتماعية، في بيئة يختفي فيها أي شكل من أشكال الحماية. الانتهاكات الجنسية استُخدمت كأداة لفرض الخوف، وإعادة ترتيب العلاقات المجتمعية، وتمكين جماعات مسلحة من الهيمنة على المناطق المتضررة. وهكذا أصبح الجسد النسوي هدفًا متكررًا للقمع، سواء من الدولة أو الفاعلين المسلحين.
غياب الدولة عن إدارة الحماية القانونية يؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب، وانهيار آليات التحقيق، ونقص الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا. تتحمل المرأة عبء العنف، دون أي ضمان للمساءلة، ما يجعلها مسؤولة عن حماية نفسها داخل بيئة متفككة، وفي الوقت ذاته تُحمّل مسؤولية الصمت على ما يحدث لها. هذه المعادلة تحول العنف إلى عملية متكررة، ويصبح التأثير طويل الأمد على المجتمع ككل، لأنه يعيد إنتاج الخوف ويقوّض الثقة في المؤسسات.
ومع ذلك، تواصل النساء مواجهة هذا الواقع بطرق مختلفة. فهن ينشئن شبكات حماية محلية، ويؤسسن مبادرات للتخفيف من أثر العنف، ويحافظن على تماسك المجتمعات في غياب الدولة. هذا العمل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يُظهر أن النساء يمتلكن القدرة على مقاومة الانتهاكات، ويعيد بناء الحد الأدنى من النظام الاجتماعي حتى في أصعب الظروف.
التحدي الرئيسي يكمن في تحويل هذه القدرة إلى اعتراف قانوني وسياسي حقيقي. حماية الجسد النسوي ليست مسألة أخلاقية أو تعليمية فقط، بل مسؤولية مؤسساتية وأداة قياس لمدى جدية الدولة في حماية مواطنيها. وإعادة الاعتبار للنساء يعني إعادة تأسيس علاقة الدولة بالجسد والقانون والحقوق، بحيث يكون لكل انتهاك رادع واضح، ولكل مواطنة حماية كاملة، ولكل مسؤولية دولة واجب محدد.
العنف ضد النساء في السودان إذًا ليس حدثًا معزولًا، بل كشف صارخ عن هشاشة المؤسسات، وغياب الإرادة السياسية، واعتماد الخطاب الرسمي على الرقابة الاجتماعية بدل العدالة. إعادة بناء الدولة يتطلب النظر إلى الجسد النسوي كأولوية، ليس من منظور رمزي، بل كركيزة حقيقية لقياس فاعلية القوانين، وحماية الحقوق، وإعادة تعريف المواطنة. فالمجتمع الذي يسمح بإساءة الجسد النسوي بلا مساءلة، لا يمكن أن يُعتبر مجتمعًا عادلاً، والدولة التي تغيب عن هذه الحماية تفقد جزءًا أساسيًا من مشروعها الأخلاقي والسياسي.
https://www.facebook.com/share/1BWZGDHr3h/?mibextid=wwXIfr



