الأعمدة

الموقف الأخلاقي والشرعي من حرب السودان: قراءة في ضوء مقاصد الشريعة وقيم العدالة والأخلاق

✍️محمد الفاتح حضرة
ليست الحروب الأهلية مجرد صراعٍ عسكريٍّ على السلطة، بل هي في جوهرها اختبارٌ أخلاقيٌّ عميقٌ لضمير المجتمعات، وامتحانٌ حقيقيٌّ لمدى تمسكها بالقيم التي تدّعيها، خاصة عندما تُرفع في خضمها شعارات الدين والوطن معاً. والحرب الدائرة في السودان تطرح سؤالاً بالغ الأهمية:
ما هو الموقف الذي ينسجم مع أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ الأخلاق، بعيداً عن الاستقطاب السياسي والدعاية الحربية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تنطلق من الولاءات السياسية أو العاطفية، بل من الأصول الكلية التي قررتها الشريعة الإسلامية في باب الدماء والعدل وحرمة الإنسان، لأن المواقف المبدئية لا تتغير بتغير موازين القوة، بل تبقى مرتبطة بالقيم التي تحفظ إنسانية المجتمع.
أولاً: أصل حرمة الدماء في الشريعة الإسلامية
قررت الشريعة الإسلامية مبدأً عظيماً لا يحتمل التأويل، وهو أن الأصل في دماء الناس الحرمة، وأن الاعتداء عليها من أعظم الجرائم. يقول الله تعالى:
“من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً”.
كما قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم محرمة، وهو أصلٌ لا يسقط في زمن الحروب ولا يسقط بالشعارات.
وهذا يقتضي أن كل ما جرى في السودان من قتلٍ للمدنيين، واستهدافٍ للأحياء السكنية، وانتهاكاتٍ جسيمة ضد الأبرياء، هو في ميزان الشريعة عدوانٌ محرم مهما كانت الذرائع السياسية أو العسكرية التي تُساق لتبريره.
ثانياً: معيار العدل لا معيار الانتماء
من المبادئ المركزية في الإسلام أن العدل لا يتجزأ، وأن الظلم لا يصبح عدلاً بسبب هوية مرتكبه. يقول الله تعالى:
“ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”.
ولهذا فإن القراءة الأخلاقية لما حدث في السودان تقتضي إدانة الانتهاكات بوصفها انتهاكات، لا بوصف مرتكبيها، لأن أخطر ما تفعله الحروب هو تحويل الناس إلى مبررين للفظائع إذا صدرت من الطرف الذي يميلون إليه.
ثالثاً: حين تتحول الوقائع إلى نقضٍ مباشرٍ لمقاصد الشريعة
إن النظر إلى ما جرى في السودان خلال هذه الحرب يكشف بوضوح مدى التعارض بين هذه الممارسات وبين مقاصد الشريعة الخمس.
ففي جانب حفظ النفس، شهدت البلاد سقوط أعدادٍ كبيرة من الشباب في المواكب والاحتجاجات، ووقوع مجازر وانتهاكات مروعة ضد مدنيين عُزّل، إضافة إلى جرائم قتلٍ خارج إطار القانون، وأعمال عنفٍ مفرطة في مناطق النزاع، وهي كلها صور تناقض المقصد الأول للشريعة وهو صيانة الحياة الإنسانية.
وفي جانب حفظ العرض والنسل، وثقت تقارير عديدة وقوع انتهاكاتٍ جسيمة في سياق النزاع، بما في ذلك جرائم عنفٍ جنسيٍّ، واعتداءاتٍ تمس الكرامة الإنسانية، وهي جرائم تترك آثاراً اجتماعيةً ونفسيةً عميقة تتجاوز آثارها الجيل الحالي.
وفي جانب حفظ المال، امتدت آثار الحرب إلى تدمير واسع للبنية التحتية، حيث تضررت مرافق المياه والكهرباء، وتوقفت منشآت إنتاجية، وتعرضت أسواق ومؤسسات اقتصادية للدمار والنهب، مما أدى إلى شللٍ في الحياة الاقتصادية والتجارية، وإلى تراجعٍ حاد في مستوى المعيشة.
كما أدى النزاع إلى توقف مؤسسات تعليمية عديدة، وتعطلت المدارس والجامعات، وانقطعت مسارات التعليم لآلاف الطلاب، وهو ما يهدد مستقبل رأس المال البشري في البلاد.
وفي جانب حفظ العقل، خلفت الحرب آثاراً نفسيةً قاسية، من انتشار الصدمات النفسية، والقلق، وفقدان الإحساس بالأمان، وتفكك الروابط الاجتماعية، وهي كلها أضرار تضرب استقرار المجتمع على المدى الطويل.
أما في جانب حفظ الدين، فقد تأثرت الحياة الدينية والاجتماعية بتداعيات الحرب، حيث أدت ظروف النزوح والخوف وعدم الاستقرار إلى تراجع كثير من الأنشطة التعليمية والاجتماعية، وهي نتائج طبيعية عندما تختل شروط الاستقرار التي تقوم عليها حياة المجتمعات.
رابعاً: كلفة الحرب الممتدة على مستقبل السودان
لا تقاس آثار الحروب فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار المباشر، بل أيضاً بالسنوات التي تحتاجها المجتمعات للتعافي. وتشير تجارب دول عديدة شهدت نزاعات مشابهة إلى أن إعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد واستعادة الاستقرار الاجتماعي قد تستغرق عقوداً، وهو ما يعني أن كلفة القرارات التي أدت إلى هذه الحرب لن يتحملها الجيل الحالي فقط، بل قد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.
فكل مدرسة دُمرت تحتاج سنوات لإعادة بنائها. وكل مؤسسة اقتصادية توقفت تحتاج وقتاً لاستعادة نشاطها. وكل طفل انقطع عن التعليم يدفع ثمن ذلك في مستقبله. وكل جرحٍ نفسي في مجتمعٍ ما يحتاج زمناً طويلاً ليلتئم.
وهذه كلها كلفٌ اجتماعية وإنسانية لا تظهر في بيانات الحرب، لكنها تبقى في حياة الناس لعقود.
خاتمة: حين تدفع الشعوب ثمن صراعات السلطة
إن ما جرى في السودان يقدم درساً قاسياً في أن تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهاتٍ عسكرية لا يؤدي إلى حسم الصراعات، بل إلى توسيع دائرة الخسارة لتشمل المجتمع كله.
فالمدن التي فرغت من سكانها، والأحياء التي دمرتها المعارك، والأسر التي تشردت، والطلاب الذين توقفت مسيرتهم التعليمية، والمرضى الذين فقدوا الخدمات الأساسية، كلهم شهود على أن أكبر الخاسرين من الحروب هم دائماً المدنيون.
ومن منظور الشريعة والأخلاق، فإن أي مسارٍ سياسي أو عسكري يؤدي إلى هذه النتائج هو مسار يحتاج إلى مراجعةٍ عميقة، لأن معيار النجاح في الحكم ليس السيطرة، بل القدرة على حفظ المجتمع من الانهيار.
إن جوهر مقاصد الشريعة ليس في الشعارات، بل في حماية الإنسان: حماية حياته
حماية كرامته
حماية مستقبله
حماية استقراره
وهذا هو الميزان الذي ينبغي أن يُقاس به كل فعلٍ سياسي أو عسكري.
فالأوطان لا تُبنى بالانتصارات العسكرية، بل تُبنى حين يشعر المواطن أن دمه مصون، وكرامته محفوظة، ومستقبله ليس رهينةً لصراعات القوة.
والتاريخ يعلمنا أن الحروب مهما طالت تنتهي، لكن المجتمعات لا تتعافى إلا حين تتفق على أن الإنسان يجب ألا يكون مرةً أخرى وقوداً لصراع السلطة.
#السودان
#أوقفوا_الحرب
#لا_لتدمير_الدولة
#السلام_حق_للشعب

زر الذهاب إلى الأعلى