كتب : معاوية أبوالريش
يبدو أن الهندي عزالدين قد استيقظ متأخراً من سبات عميق ليكتشف فجأة أن هناك شيئاً يُسمى “الشرعية”! وكأن الرجل قد نسي تماماً – أم تناسى عمداً أن السيد كامل إدريس الذي يدافع عن “شرعيته” وصل لمنصبه عبر تعيين من الفريق البرهان، وليس عبر صناديق الاقتراع التي لم يرها الشعب السوداني منذ سنوات طوال. فالطريف في الأمر أن الهندي – وهو أحد أبرز مناصري النظام البائد – يتحدث عن “الاستفزاز” و”السيادة” لحكومة جاءت بها نفس القوى التي كان يمجدها بالأمس القريب.في مقاله القصير والمقتضب الذي نشرته صحيفة أمدر تايمز الإلكترونية، لم يتوان الهندي عن وصف ما حدث في زيارة رئيس مجلس الوزراء السوداني المعين للسعودية بأنه “استفزاز للدولة السودانية” بل وذهب أبعد من ذلك مطالباً خارجية حكومة بورتسودان بألا تسمح للسفير السعودي بلقاء حتى الرئيس التنفيذي لمحلية بورتسودان، ناهيك عن وزير الخارجية أو رئيس مجلس الوزراء . واختتم الهندي مقاله بالقول إن السودان لا يقبل بيان الرباعية ولن يسمح بالتدخل في شؤونه الداخلية والمساس بسيادته حتى لو أدى ذلك للقتال لمدة خمسين عاماً! أية سيادة يتحدث عنها الهندي لحكومة لم ينتخبها الشعب السوداني ولا يعرف عنها سوى أنها امتداد لنفس المنظومة التي أوصلت البلاد لهذا المأزق المروع؟ والأمر الأكثر إثارة للسخرية أن الزيارة التي يصفها بـ”المبرمجة والمتفق عليها” لم تسر كما خُطط لها على الإطلاق. فبحسب ما كشفته المصادر الإعلامية، كان من المقرر أن يلتقي إدريس بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لكن وعكة صحية ألمّت برئيس الوزراء (تسمم كما ذُكر) أجبرته على دخول المستشفى وأدت لتأجيل اللقاء الرئيسي . فبدلاً من الاستقبال “الملكي” المتوقع، اكتفى بلقاء وزير الخارجية السعودي الذي جاء لـ”الاطمئنان” على صحته !يكشف هذا التطور حقائق مهمة حول طبيعة هذه الزيارة التي لم تحظ بالأولوية القصوى في الأجندة السعودية، وإلا لتم ترتيب لقاء بديل فوري مع ولي العهد بمجرد تحسن الحالة الصحية. وحتى على مستوى البروتوكول الرسمي، جاء مستوى الاستقبال متواضعاً مقارنة بزيارات مسؤولين آخرين من المنطقة، حيث تم استقبال إدريس في المدينة المنورة من قبل “وكيل إمارة منطقة المدينة المنورة” وفي الرياض من قبل نائب أمير منطقة الرياض ، وليس من مسؤولين رفيعي المستوى على مستوى المملكة. هذا المستوى من الاستقبال يؤكد أن السعودية تتعامل بحذر شديد مع الوضع السوداني، وهو موقف يتسق تماماً مع مبادئ بيان الرباعية الذي يؤكد على ضرورة انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان. لا نجد غرابة البتة في هذا الموقف السعودي المحسوب، فالمملكة كدولة مسؤولة تدرك أن الاعتراف الكامل بحكومة تفتقر للشرعية الشعبية يتناقض مع توجهاتها الإقليمية والدولية. وهذا ما يفسر لماذا جاء مستوى الاستقبال دون المستوى البروتوكولي المعتاد للرؤساء والزعماء المُنتخبين ديمقراطياً. إن ما حدث في الرياض يؤكد أن الزمن لم يعد مناسباً للمراهنة على “الشرعيات المُصطنعة” في عالم يتجه نحو الديمقراطية والشفافية. أما حديث الهندي المتهور عن “القتال لخمسين عاماً” فلعله نسي أن الشعب السوداني قد تعب من حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، وأنه يريد سلاماً حقيقياً وحكماً ديمقراطياً وليس مزيداً من المعارك الوهمية باسم “السيادة” فالسيادة الحقيقية تأتي من إرادة الشعب الحرة المعبر عنها في صناديق الاقتراع، وليس من تعيينات القصور والثكنات العسكرية.بدلاً من الانشغال بـ”كرامة” حكومة غير منتخبة ولا تملك تفويضاً شعبياً.



