كتب: الدكتور كمال محمد الأمين
أحياناً عندما أتابع الأخبار أشعر وكأن التاريخ يُعيد كتابة نفسه بخط أكثر قبحاً. في السودان، تلك الجوهرة التي كانت يوماً تُسمى “سلة غذاء العالم العربي”، نشهد اليوم فصلاً جديداً من فصول الانهيار التي بدأت عام 1989.
عام 1989، لم يكن مجرد رقم في التقويم. كان بداية التحول من دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلى مختبر لتجارب سياسية مُدمرة. في ذلك العام، قررت مجموعة من المؤمنين بأفكارهم أكثر من إيمانهم بشعبهم، أن الطريق إلى الجنة يمر عبر الانقلاب على إرادة الناس. هذا بعد أن توصلت الأحزاب السياسية وعلي رأسها الحزب الإتحادي الديمقراطي فيما عرف بإتفاقية ( الميرغني – قرنق ) والتي كانت ستنهي الحرب مع الحركة الشعبية الي الأبد وافقت عليها كل الأحزاب في ذلك الوقت .. لكن هذا التنظيم الإرهابي قد أنقلب علي الديمقراطية في العام 1989م. وكانت المحصلة حرب مدمرة في جنوب السودان تحت ذات الشعارات الكذوبة التي يخوضون بها الحرب الحالية تحت شعار ( حرب الكرامة ) والمحصلة كانت فصل الجنوب . بعد أن قتل في تلك الحرب حوالي (2) مليون سوداني .. وقام هذا التنظيم بصناعة أكثر من (166) مليشيا خارج مظلة الجيش وعلي رأسها مليشيا الجنجويد وبسبب كل ذلك تم تصنيف السودان في العام 1993 دولة راعية للإرهاب ولم يتم رفع هذا التصنيف من السودان إلا بعد أن أتت حكومة المدنيين برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك في العام 2020م .
الخيط الذي لم ينقطع:
الحركة الإسلامية في السودان كانت دائماً أشبه بالخيط الذي يربط بين اللؤلؤ في العقد – تظهر وتختفي، لكنها تبقى العنصر الرابط بين كل مأساة. من انقلاب 1989 إلى استضافة بن لادن، ومن تطهير 78 ألف موظف من أجهزة الدولة في خلال ( 48) ساعة تحت شعار ( التمكين ) إلى ما يحدث اليوم من حرب تُدمر كل شيء.
واليوم، في سبتمبر 2025، تقف الولايات المتحدة لتُعلن عقوبات على ما تُسمى “كتائب البراء بن مالك” – تلك الميليشيات التي تُقاتل تحت مظلة الجيش السوداني بأيديولوجية الحركة الإسلامية نفسها. العقوبات الأمريكية جاءت واضحة: “لدورهم في الحرب الوحشية في السودان وصلاتهم بإيران”. خلاف الجرائم التي تمارسها هذه الكتائب وغيرها بحق المدنيين
عندما تصبح العقيدة سلاحاً
الغريب أن كل هذا يحدث باسم الدين! وكأن الله – جل في علاه – يحتاج إلى هؤلاء ليُدافعوا عنه. الدين الذي جاء رحمة للعالمين، يتحول في أيديهم إلى آلة حرب تُدمر البيوت وتُشرد الأطفال وتحرق الأرض التي قال عنها الشاعر:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة
لكن يبدو أن هؤلاء قرروا أن العزة تكمن في الجور نفسه!
المجتمع الدولي يستيقظ:
الآن، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الصمت والتساهل، يبدأ المجتمع الدولي في رؤية الصورة كاملة. العقوبات الأمريكية في سبتمبر 2025 على كتائب البراء بن مالك “لدورها في جرائم الحرب ولصلاتها بإيران” ليست مجرد إجراء دبلوماسي، بل اعتراف بأن ما يحدث في السودان ليس مجرد حرب أهلية، بل مشروع إقليمي يهدف لزعزعة الاستقرار.
الرباعية الدولية تتجه نحو تصنيف هذه الجماعة كتنظيم إرهابي. وهذا ليس مفاجئاً لمن تابع تاريخها:
– انقلاب 1989 على الديمقراطية
– دورها في انقلاب البرهان حميدتي في 2021م علي الحكومة المدنية
– تطهير أجهزة الدولة من الكفاءات
– استضافة الإرهابيين الدوليين
– دعم الجماعات المسلحة إقليمياً
– وأخيراً، تدمير السودان في حرب لا يعرف أحد متى ستنتهي
السؤال الصعب:
السؤال الذي يُؤرقني: كيف لجماعة تدّعي أنها تحمل رسالة سماوية، أن تُحول بلداً بأكمله إلى جحيم؟ كيف لمن يقولون أنهم يعبدون الله، أن يعبدوا السلطة إلى هذا الحد؟
الجواب ربما يكمن في أن هؤلاء لم يفهموا يوماً أن العبادة الحقيقية تكون بخدمة الناس، لا بالسيطرة عليهم. لم يفهموا أن الدين جاء ليُحرر الإنسان، لا ليستعبده.
الأمل رغم الظلام:
لكن رغم كل هذا الظلام، أؤمن أن السودان سيبقى. الشعب السوداني عاش حضارات وممالك قبل أن توجد هذه الجماعة بآلاف السنين، وسيبقى بعد أن تختفي بآلاف أخرى.
المجتمع الدولي بدأ أخيراً يرى الحقيقة. العقوبات الأمريكية الأخيرة ليست النهاية، بل البداية لمحاسبة كل من شارك في تدمير هذا البلد العريق.
السودان لن يموت، لأن الشعوب لا تموت. وهؤلاء الذين ظنوا أنهم يبنون إمبراطورية باسم الدين، سيكتشفون أنهم لم يبنوا سوى قبوراً لأنفسهم في التاريخ.
وسيبقى السودان… وستذهب العقائد المُسلّحة إلى حيث ذهبت كل العقائد التي حاولت أن تُخضع الشعوب بالقوة
والحق أبلج لا تخاف عواقبه… والباطل لجلج من خاف فضحه



