وجدي كامل
بهذه العبارة، يشير الروائي والديبلوماسي الدولي فرانسيس دينق إلى أنّ الحقيقة المخفية أو التي تُضطَهَد عن الظهور هي في جوهرها أكثر الأشياء التي تؤلم المجتمعات وتوسع الشرخ بين أفرادها، وليس فقط ما ورد في الكتب الرسمية أو السجلات المتداولة وبدا فان التاريخ الحقيقي هو ذلك الذي لم يُكتب، أو تم السكوت عنه باسباب شتى.
وتخضع مسألة نشر المذكرات والأرشيف أحيانًا لتقديرات خاصة بأُسر الذين كتبوها وغادروا. وغالبًا، وفي أحوال وظروف مجتمعات مثل مجتمعاتنا، حيث تتداخل العلاقات، تصير الحقائق المجرّدة غير مرغوبة أو غير مفضّلة، ما يدفع الأسر إلى السكوت عنها، خاصة إذا تضمّنت المذكرات أو الأرشيف ما قد يثير إزعاجًا أو ذعرًا لدى جهةٍ ما. وقد تعتبر هذه الجهة أن ما ورد يُشكّل ثغرة قانونية في مواد الذكريات، فتلجأ إلى القضاء، أو ربما ترى فيه ما قد يثير فتنةً ما.
أذكر أنه، وأثناء تصوير فيلم (وصمة حرب) — وهو فيلم وثائقي مدته ثلاث ساعات عن الحرب بين الشمال والجنوب، تناول تاريخها وتطور حلقاتها، وأخرجته بإنتاج من قناة العربية بدبي، وعُرض على ثلاثة أجزاء عام 2005 — أجرينا حوالي أربعين مقابلة. ومن بين تلك المقابلات، روى لنا ضابط كبير كان قد شغل منصب قائد لمنطقة الاستوائية في منتصف السبعينيات، أنه وعد عددًا من المجندين الجنوبيين بأن من يتمكن من القبض على (فلان — وكان يُعد، وفق التقييم العسكري للنظام آنذاك، متمردًا أساسيًا) سيُكافأ. وبعد يومين أو ثلاثة، جاءه أحد المجندين برأس ذلك الرجل.
ابن ذلك القائد العسكري كان حاضرًا معنا أثناء الحوار، وبمجرد انتهائنا من العمل خرج معنا إلى الشارع، وطلب حذف الجزئية المتعلقة باعتراف والده. بل ظلّ على تواصل معنا أثناء مرحلة المونتاج في دبي، ليؤكد ضرورة حذف تلك المعلومة.
تخيل كم من المعلومات التي خُبّئت عن كتاب التاريخ الحقيقي بسبب تقديرات أهلها أو أولئك الذين كانت لهم صلة بها



