الأعمدة

وزارة الثقافة والإعلام والسياحة السودانية تصدر قراراً بإيقاف مديرة مكتب قناتي “العربية” و”الحدث” في السودان

وزارة الثقافة والإعلام والسياحة السودانية تصدر قراراً بإيقاف مديرة مكتب قناتي “العربية” و”الحدث” في السودان وسحب تصريحها الصحفي، بدعوى تجاوزات مهنية تهدد الأمن الوطني والمصلحة العامة. هذا القرار، على الرغم من لغته القانونية، يكشف أزمة أعمق تتعلق بعلاقة السلطة بالصحافة، وحدود حرية الإعلام في السودان.
من الواضح أن “الأمن الوطني” و”المصلحة العامة” باتا مفهوماً مرتبكاً وفضفاضاً في ذهن وزير الإعلام ووزارته. إذ يتم ربط أي نقد أو تغطية غير مرضية باعتبارها تهديداً للأمن، بينما الحقيقة أن ما يجري هو توظيف سياسي لمفهوم الأمن لحماية مصالح السلطة وأجنداتها. الأخطر من ذلك، أن هذا الفهم ليس جديداً؛ بل هو امتداد مباشر لمنهج تنظيم الإخوان المسلمين الذي طالما جعل “الأمن العام” مرادفاً لأمن التنظيم وبقائه في الحكم، لا لأمن المجتمع وحقوقه الأساسية.
كان الأجدى أن تتم معالجة أي أخطاء مهنية عبر مؤسسات مستقلة، مثل مجالس الصحافة أو القضاء، لا عبر قرارات إدارية صادرة من ذات الجهة التي تشكو من التغطية. فالوزارة بهذا جعلت نفسها خصماً وحكماً في آن واحد، وهو ما يفقد القرار أي مشروعية مهنية أو قانونية حقيقية.
الصحافة ليست معصومة من الأخطاء، ولكن العلاج ليس في إسكات المراسلين أو سحب تراخيصهم، بل في الرد عليهم ببيانات رسمية، أو تصحيح المعلومات، أو حتى اللجوء للقضاء إذا اقتضى الأمر. أما استخدام سلاح المنع، فهو رسالة ترهيب مباشرة لكل الإعلاميين، المحليين والدوليين، بأن أي رواية لا ترضي السلطة قد تكلفهم عملهم وتصاريحهم.
القرار سيُنظر إليه خارجياً كخطوة قمعية تزيد من عزلة السودان، وتضعف مصداقية الحكومة أمام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان. فالدول تُقاس بقدرتها على إدارة التعددية الإعلامية، لا بقمعها.
قرار إيقاف مراسلة “العربية” و”الحدث” لا يحمي السودان ولا يعزز استقراره، بل يضرب أساس الثقة في التزام الحكومة بحرية الصحافة. إن اختزال “الأمن العام” في كونه أمن السلطة أو امتداداً لعقلية الإخوان يضعف الدولة ولا يقويها. الطريق الصحيح يمر عبر الشفافية، التعددية الإعلامية، وإنشاء آليات مهنية مستقلة للمساءلة، لأن الإعلام الحر لا يهدد الأوطان، بل
يحميها من الفساد والتضليل.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة

زر الذهاب إلى الأعلى