الأعمدة

لو كنا منظمين كفاية في فترة ديسمبر لما سمحنا بأن يأتي الأستاذ فيصل محمد صالح وزيرا للإعلام،

#image_title
#image_title

#image_title
محمد فرح وهبي
وللرجل مكانته ونوع من التبجيل في الوسط الصحفي وهو أستاذنا ومساهمته التاريخية تُخبر عنه، نزاهته شاعريته ولطفه ونضاله الطويل ضد الدكتاتور. لكن ما قام به فيصل هو شنقنا جميعاً، علقنا على مشجب أمنيات مبني على صورته السمحة جوانا، وعلى حساب آلمنا كصحفيين وفقر أيامنا وظلمنا التاريخي أيضا والذي هو تجرعه مراراً، قدم نفسه كمسيح، على حساب كل هذه الآلام والتضحيات والتي لا تقل عن ما قدمه إن لم تكن تزيد. لقد قدم الأستاذ أداءً فاترا لا يشبه روح الثورة، وعندما أتحدث عن روح الثورة، أُبعد قحت وتفاهتها عن الموضوع، فكل حلم هو ثورة، كل مكلب انساني، كل نزوع للتغيير، واقصد بالتحديد ما تم من تضحيات من دماء من أرواح صعدت مقابل ان تضيء للآخرين وكل واحد كان يمكن أن يكون هو نفسه هذه الروح الصاعدة، أعني بالثورة النية في تغيير وضعية خاطئة، في رفع الظلم وعدم التسامح مع أي ظرف لا إنساني وغير مقبول بالضرورة، وهذا لا يتم إلا بنوع من الإصلاح والصرامة، ليس الانتقام، بل الإصلاح وهو بالضرورة نقيضاً للانتقام او قطع ارزاق الناس، إنما رد المظالم، ليس للصحفيين فحسب إنما لكل شعب السودان الذي لم يرى نفسه في مرآة ما يُفترض أنه اعلامه إلا كمفعول به، كيف ننقله من هذا الحيز الضيق المؤسف، إلى أمداء متسعة كصانع للفعل وشريك فيه وهذا من صميم دور الإعلام.
لم يقم فيصل بأي شيء، ربما تركناه وحده لظروف عديدة، ولكن أيضا لثقتنا في أنه يعرف كل شيء. لا نريد انتقاما بل اصلاحاً، امتدادا لهذا الوضعية جيء بماهر أبو الجوخ، مع تقديري له كصحفي إلا أنه لا يملك اي نوع من الخبرة الإدارية ولا يعرف عن الإذاعة والتلفزيون اي شيء، فقط قذفت به لهذا المقام مقاسمة سياسية أو مجاملة، الله أعلم،
وجيء بلقمان من أقصى العالم لاهثاً يسعى لسلطة ولمعان، ببرود وصوت مصطنع كأنه دُمية.
والكارثة تمثلت في تقدم الواجهة بشخصية قميئة كالرشيد سعيد، والذي بنرجسية رعناء ونية انتقام عجيبة حول كل الدماء التي سالت لصالحه كأنما كل أحلام الناس كانت لأجل عودته فقط، مُخلِّصا على صهوة جواد طائر. وفي رعونة لا تقل عن هياجات الكيزان في فترة التمكين عُين شخص ضعيف القدرات لم يكتب يوما عمود رأي من اربعمئة كلمة، اسمه حسام حيدر، مديرا لمجلس الصحافة والمطبوعات، جلس على نفس القوانين التي دمرت الصحافة، المهم طبعا الوجاهة ورتبة الوزير والبدلة، لا شيء آخر على الإطلاق.
في زمن قادم اتمنى ألا نقع في هذه الأخطاء مرة أخرى، بالمزيد من التنظيم والترتيب وتشكيل نوع من الرؤية، وأن يكون كل متقدم إلى وظيفة رفيعة صاحب مساهمة معروفة والأهم يعبر عن جماعة او تيار بمشروع واضح ومحدد، ليس مشروعا سياسي إنما مشروع يُنظّر لمهمته ولدوره المرجو وما سيقدمه لأهل هذه المهنة، تطويرها والدفع بها إلى الأمام، وما سيقدمه عبر منصبه للشعب بالضرورة. اي شخص بلا مشروع يجب ألا يتم تقديمه لأي مهمة كانت.
كنت في فترة الاعتصام رفقة الزميل محمد الاقرع قررنا عمل رابطة الصحفيين المستقلين، وهي مشروع كبير لإحياء الصحافة الميتة ورد الاعتبار للصحفيين الذين هم بلا تنظيمات سياسية، وقد وصلنا لحد تعريف أن الصحفي الذي ينتمي لجماعة او تنظيم سياسي هو في الحقيقة سياسي ينتحل صفة الصحفي، هذا دون الانتقاص من الآخرين المنتمين او مصادرة هذا الحق، لكن ما نعنيه أنه يجب أن لا يكون انتماؤك لحزبك على حساب عرق ودماء زملائك، على حساب مهنتك، والمهم أكثر عرفنا أنفسنا كصحفيين مستقلين يحملون رأياً سياسي، لكنهم ليسو سياسيين، وهناك فرق طبعا، بين أن تكون السياسي وبين من يقول برأي سياسي.
جمعنا توقيعات لعضوية، بدأنا في التخطيط، فظهر لنا يوسف حمد كمسيحٍ دجال، طالبا منا بكل مسكنة أن نرجيء الأمر إلى ما بعد قيام الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، فعلا عطلنا الموضوع في سياق الهم العام، ذهبت إلى اجتماعهم بدار صحيفة المشاهد، وكان أول ما قاموا به هو حل شبكة الصحفيين، خرجت لأنني انتبهت لروح الغدر هنا، انا اول من أعلن اختلافه مع شبكة الصحفيين وكتبت عن هذا الأمر، لكن لا أنكر دورهم في الابقاء على نوع من الجزوة لروح الصحافة، وأنهم كانوا ممثلينا في تجمع المهنيين ومن الآباء المؤسسين له، هذا طبعا ليس مبررا لأن يتصدروا المشهد على حساب غيرهم، ولكن على الآخرين أيضا أن يطوروا مشاريعهم إن كانت لديهم مشاريع بالاساس، أن يخلقوا رؤية محددة واضحة، أن يتنظموا…الخ.
كان هذا الفعل من جماعة يوسف حمد، الذي ما عارف كيف برضو بقى عنده منصب غريب في وزارة الثقافة- كان تصرفهم هذا نوع من الغدر، ” تموا بينا شغل- إذ لم نتفق على هذا الأمر بالإمكان عقد جمعية عمومية والابقاء على كل التيارات الموجودة طالما أنها من نفس الحقل وتقدم ما يدعم ويطور المهنة، لكنها روح الشر عندما تتقدم في لحظة ما، فالشر يعمي.
خالد الاعيسر شخص كل مؤهله بصاقه أثناء هياجناته التي يسميه تحليل سياسي، هو حقا يُشبه صورة شخص مسؤول في لحظة سائلة وغير إنسانية، لحظة ينتصر فيه العنف، عنف السلاح وعنف اللسان فقط، وهو ينعم بالأخير وهذا كل مؤهله. لكنها لحظة مهما طالت قصيرة، مثل كل ظُلمة ستعبر في النهاية.
يبقى السؤال، ثم ماذا بعد، هل سنعيد نفس هذه السيناريوهات وبنفس الطيبة المقاربة للبلاهة التي وقعنا فيها سابقا، هذا هو المحك.

زر الذهاب إلى الأعلى