الأعمدة

أمواج ناعمة – لنحذر مصير كلينت إستوود د. ياسر محجوب الحسين

منذ أن يولد المرء، تُنسَج حوله وشائج الرحِم التي وشجت عراها بالدم والحنان، فهي العهد الأول، والسكن الأصيل، والملاذ الذي لا يتبدل. الأسرة هي الجذر الذي يمدّ شجر الحياة بمائها، فإذا هبّت العواصف، وتداعَت الأسباب، وأوشكت الروابط أن تنقطع، ظلت هي المرفأ الأخير. أما صحبة المال والقوة والجاه، فهي صحبة كأنها الثمامة، قائمة بلا ظل، قائمة بلا ثمرة، سراب يلمع للعين، ثم يخلفها حسرات.

إن المرء حين يسعى في طلب المال أو الجاه، يُخيَّل إليه أنه يفتح أبواب السعادة على مصاريعها، وما هي إلا أبواب موصدة، يطرقها في لهفة فلا يُفتح له. يجتمع الناس حوله، يُثنون ويُجلّون، يملؤون المجلس بالضجيج والعجيج، فإذا انقطع عنه النفع، أو زالت هيبته، انفضوا عنه، كأن لم يكن بينهم وبينه عهد. فيلتفت المرء فإذا هو وحيد، تتناوشه الندامة، وتنهشه الغربة، كمن وقع بين تماسيح تزدرد الناس ازدرادا.

تلك صحبة تشبه أزيز المرجل يغلي في النار، تضجّ حولك ما دمت نافِعًا، فإذا خمدت النار، تركوك رمادًا تُذروه الرياح. يتقربون إليك تقلدًا عبثًا وكيدًا، يضحكون في وجهك ويطوون في أنفسهم موجدة وحفيظة، حتى إذا غاب السلطان أو خفت صوت المال، أعرضوا عنك ازورارا، لا يُبدون إلا اشفاقا مشوبًا ببعض الازدراء.

أما صحبة الرحم، فهي على مشقتها ووطأتها، صحبة صادقة. قد يضيق صدرك أحيانًا بـ شغب أبنائك وصخبهم، وقد يرهقك طلب إخوتك وأبناء عمومتك وخؤولتك، ولكنك ما تلبث أن تنظر إليهم، فإذا النفس تتفتح من جميع أنحائها، وإذا القلب يفيض بما يبدد التعب. إنها صحبةٌ يقين لا يخالطه الظن أن نهايتها دفء واحتواء، وحنان لا تقدر بثمن.

وقد صدق الممثل الأمريكي ذو السنين كلينت إستوود، وقد بلغ الخامسة والتسعين، حين قال في مرارة إن أرعب ما في الشيخوخة ليس وهن العظم ولا ثِقَل السمع والبصر، بل أن يبلغ المرء من العمر مبلغًا لا يجد فيه من يجلس إلى جواره، أو من يضيق بحديثه ثم يبتسم لأنه من لحمه ودمه. واعترف أن مطاردة الشهرة كانت كمن يقضي ليله في الأهوال والأوجال، حتى إذا انطفأ الضوء، لم يجد في جانبه يدا تدلّه على النور. قالها بلسانٍ متحسر: “إن الجري خلف الشهرة كالرماد الذي نفخت فيه الرياح؛ فلا هو أشعل نارا، ولا هو ظل ثابتًا في مكانه.”

فما أعجب أن يلهث الإنسان وراء مجدٍ زائل، ثم ينكشف له في آخر الطريق أنه اتخذ البؤس لنفسه عشيرا، وجعل النعيم حلما منصرما. وما أقسى أن ينفق عمره في مطاردة سراب، ثم ينتهي إلى وحدة قاتلة لا يُسمع فيها إلا صدى نفسه.

فاللهم اجعلنا من الواصلين لرحمهم، المكرمين لأهلهم، المحتمين بجذورهم، ولا تجعلنا من الذين باعوا صحبة الدم والرحم بصحبة المال والجاه، فإن الأولى – وإن حملت في ثناياها التعب – هي ظلٌّ وارِفٌ لا ينقطع، وأما الثانية – وإن أبهرت الأبصار – فهي أوراق يابسة، تقتحمها العيون اقتحاما ثم تنبذها الريح إلى حيث لا رجعة.

زر الذهاب إلى الأعلى