الأعمدة

” عندما تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات للمهاترات بين القونات : ما حدث أساء لكل السودانيين والسودانيات “

#image_title
#image_title

كتب: معاوية أبوالريش
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المنصات الرقمية مساحة مفتوحة للتعبير والحوار، لكنها أيضاً تحولت أحياناً إلى ساحات للمهاترات والخلافات التي تفتقر للحد الأدنى من اللياقة والاحترام المتبادل. إننا نعيش زمن الرويبضة الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، حين يتكلم في أمر العامة من ليس أهلاً لذلك. ما شهدناه مؤخراً من تبادل للألفاظ الوضيعة والعبارات البذيئة بين عشة الجبل وهبة جبرة على منصات التواصل الاجتماعي لا يمثل مجرد خلاف عابر، بل يدق ناقوس الخطر حول انهيار القيم وضرورة وضع ضوابط أخلاقية صارمة للخطاب العام.
تحمل الشخصيات العامة، سواء كانوا فنانين أو إعلاميين أو مؤثرين، مسؤولية أكبر في تشكيل الخطاب العام. فكلماتهم وتصرفاتهم لا تؤثر فقط على صورتهم الشخصية، بل تمتد لتؤثر على النسيج الاجتماعي برمته. عندما تستخدم هذه الشخصيات لغة مبتذلة أو تتبادل الاتهامات غير المؤسسة، فإنها تقدم نموذجاً سلبياً للجمهور، خاصة الشباب الذين ينظرون إليهم كقدوة. هذا التكرار لمثل هذه السلوكيات يؤدي إلى تطبيعها في المجتمع واعتبارها أمراً عادياً، مما يسهم في تراجع مستوى الحوار العام ويجعله أكثر عدوانية وأقل موضوعية.
إن تأثير هذه السلوكيات لا يقتصر على المستوى المحلي فحسب، بل يمتد ليسيء للسمعة الثقافية للبلد أمام العالم. فالسودان المعروف بكرمه وأدبه وقيمه الأصيلة يجد نفسه أمام صورة مشوهة تنقلها هذه المهاترات عبر المنصات الرقمية التي لا تعرف الحدود الجغرافية. كما أن هذه السلوكيات تتناقض تماماً مع التراث الثقافي الراقي الذي تميز به المجتمع السوداني عبر التاريخ.
ومن أخطر ما نلاحظه في هذه النزاعات هو الزج بأسماء شخصيات راحلة محترمة في خضم الصراعات الشخصية. هذا السلوك يتجاوز كل الخطوط الحمراء للأدب واللياقة، ويسيء لذكرى أشخاص لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، كما يؤذي مشاعر الأهل والمحبين الذين يرون أسماء أعزائهم تُستخدم كوقود في معارك صغيرة ومبتذلة. هذا يؤكد على أهمية الفصل بين الخلافات الشخصية والحياة المهنية، واحترام الجمهور الذي يستحق محتوى راقياً وليس مهاترات شخصية.
وسائل التواصل الاجتماعي سيف ذو حدين، فبينما تشكل منصة رائعة للإبداع والتواصل المباشر مع الجمهور، وفرصة لنشر الثقافة والفن الراقي، والتأثير الإيجابي على المجتمع، إلا أنها تحمل مخاطر جسيمة تتمثل في سهولة انتشار المحتوى السلبي، وتحول النزاعات الصغيرة إلى فضائح عامة، وفقدان السيطرة على السرد. لقد أصبح البحث عن الشهرة والانتشار يدفع البعض لاستخدام أساليب صادمة ومثيرة للجدل، حتى لو كانت على حساب القيم والأخلاق، حيث تحولت ظاهرة “الترند” إلى هدف في حد ذاتها، بغض النظر عن الوسائل المستخدمة لتحقيقه.
لمواجهة هذا التدهور، يجب على الشخصيات العامة إدراك مسؤوليتهم الاجتماعية والتفكير جيداً قبل النشر، مع أخذ الوقت الكافي للتفكير في عواقب أي منشور. كما عليهم الاستعانة بمستشارين مهنيين للحصول على مشورة قبل التعامل مع الأزمات. في المقابل، على المجتمع دور مهم يتمثل في عدم تشجيع المحتوى السلبي من خلال تجاهل المحتوى المثير للجدل وعدم مشاركته، ودعم المحتوى الإيجابي من خلال التفاعل مع المحتوى الراقي والهادف، بالإضافة إلى التربية الرقمية وتعليم الأجيال الجديدة آداب التواصل الرقمي.
لا يمكن أن نغفل أهمية وضع ضوابط قانونية لتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واتخاذ إجراءات قضائية ضد من يتجاوز الحدود، مع ضرورة قيام النقابات المهنية بوضع مواثيق أخلاقية صارمة للفنانين والإعلاميين. فالحرية في التعبير لا تعني الفوضى، بل تأتي مع مسؤولية كبيرة في الاستخدام.
إن ما نحتاجه اليوم هو عودة حقيقية للقيم الأصيلة التي تميز بها المجتمع السوداني عبر التاريخ. الفن الحقيقي يرتقي بالذوق العام ولا يهبط به، والفنان الحقيقي يكون قدوة في سلوكه قبل فنه. على الجميع، أفراداً ومؤسسات، العمل معاً لاستعادة الهيبة والوقار للخطاب العام، والتأكيد على أن المجتمع السوداني يستحق فناً راقياً وخطاباً محترماً. وعلى كل من يحمل صفة “فنان” أن يكون على مستوى هذه المسؤولية، وإلا فليتنازل عن هذا اللقب الشريف. فالفن رسالة قبل أن يكون مهنة، والفنان مربي قبل أن يكون مؤدياً.

زر الذهاب إلى الأعلى