يشهد العالم اليوم تحولا يمكن وصفه بالجوهري في الموقف الدولي من القضية الفلسطينية، تمثل في اعتراف دول غربية كبرى رسميا بدولة فلسطين، هذا التطور لم يأتِ في فراغ، بل هو ارتداد طبيعي للقوة الإسرائيلية المفرطة التي فقدت بريقها وشرعيتها، وأعادت إلى الواجهة حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة.
حين تعلن بريطانيا، وهي صاحبة وعد بلفور (1917) الذي شرّع للمأساة الفلسطينية قبل أكثر من قرن، اعترافها بدولة فلسطينية، فإن ذلك يحمل دلالات تاريخية عميقة، إذ يمكن النظر إليه بوصفه اعتذارا متأخرا عن جريمة سياسية كبرى أسست لاقتلاع شعب كامل. صحيح أن هذا الاعتراف لا يعوض عن مآسي النكبة والاحتلال، ولا يكفي لإزالة آثار ذلك الوعد المشؤوم، لكنه مع ذلك خطوة مهمة على طريق تصحيح مسار طويل من الانحياز الغربي لإسرائيل. أما كندا وأستراليا، وهما حليفتان تقليديتان للولايات المتحدة، فاعترافهما يعكس بداية تآكل جدار الدعم الغربي غير المشروط لتل أبيب. وبانضمام هذه الدول إلى أكثر من 150 دولة سبقتها، يتأكد أن ميزان الشرعية الدولية بات ينحاز تدريجيا إلى الشعب الفلسطيني، وأن سردية إسرائيل القائمة على القوة وحدها تفقد مفعولها.
تتجلى أهمية هذه الاعترافات أكثر حين ندرك أنها تضع إسرائيل أمام عزلة دبلوماسية متنامية. فمع دعم أربعة من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي — الصين وروسيا وفرنسا، إلى جانب بريطانيا — تصبح إسرائيل محاصرة سياسيا رغم تفوقها العسكري. القوة العسكرية التي طالما اعتمدت عليها لم تعد كافية لتثبيت روايتها، إذ لم يعد المجتمع الدولي يرى في الاحتلال مشروعًا قابلًا للاستمرار، بل عبئا على الاستقرار والسلام العالميين.
إسرائيل، التي أقامت وجودها على عقيدة الردع، تتعامل اليوم مع لحظة انكشاف. الفيلسوفة هانّا أرندت ميّزت بين القوة، التي تنبع من الشرعية والقبول الجمعي، وبين العنف، الذي يُستخدم حين تفشل القوة. إسرائيل تمارس العنف المفرط لأنها فقدت الشرعية. مجازر غزة، العدوان المتكرر، وحتى الهجوم الأخير على الدوحة، كلها أمثلة على ذلك.
استهداف العاصمة القطرية، بذريعة ضرب قيادات في حركة حماس، لم يكن سوى تعبير عن عجز أكثر من كونه استعراض قوة. فهو مساس بسيادة دولة عربية لعبت دور الوسيط، وإضعاف لأي إمكانية للتسوية. في نهاية المطاف هو تفصيل مهم في مشهد أكبر: مشهد تآكل الهيمنة الإسرائيلية وتراجع قدرتها على فرض روايتها.
هذا الانكشاف ليس صدفة، بل نتيجة حتمية لاستراتيجية الإفراط في القوة. فالحروب الطويلة تستنزف الموارد وتنهك المجتمع. والمجازر تفقد صاحبها الشرعية الأخلاقية، فتحوله من ضحية مزعومة إلى جلاد مكشوف. والعنف يوحّد الخصوم المتنازعين في مواجهة عدو مشترك، ويصنع أسطورة مضادة تجعل من المقهورين أبطالا ومن الغزاة رموزا للشر. لهذا السبب لم تفلح إسرائيل، رغم ترسانتها الهائلة وتفوقها التكنولوجي، في القضاء على المقاومة الفلسطينية، بل صنعت مقاومة أشد صلابة وأوسع امتدادًا.
التاريخ مليء بالأمثلة على مصير الإمبراطوريات التي أسكرتها القوة. روما التي حكمت بالسيف انهارت أمام تمردات متتالية. نابليون الذي اجتاح أوروبا سقط في روسيا وتهاوت إمبراطوريته سريعا. هتلر الذي اعتقد أن جبروته يضمن له السيادة انتهى منتحرًا في قبو مهزومًا ومعزولًا. وحتى الولايات المتحدة، التي امتلكت أقوى جيوش العالم، فشلت في فيتنام والعراق. المشترك في كل هذه التجارب أن العنف، مهما بلغ، لا يصنع شرعية ولا يبني هيمنة مستقرة. إسرائيل، بانتهاجها سياسة اليد الحديدية، تسير في الطريق نفسه.
ما كان قبل أعوام مجرد مطلب فلسطيني وعربي صار اليوم حقيقة سياسية تتكرس على أرض الواقع. الاعتراف الدولي المتسارع بدولة فلسطين ليس فقط خطوة قانونية أو دبلوماسية، بل هو إشارة إلى أن النظام الدولي نفسه بدأ يعيد النظر في حساباته. لم يعد ممكنا أن يستمر صمت العالم على الاحتلال والاستيطان والقصف بلا ثمن. وحتى الدول الغربية التي طالما تغاضت عن جرائم إسرائيل باتت اليوم مضطرة للاعتراف بفلسطين، لا فقط من باب التضامن الإنساني، بل لحماية ما تبقى من مصداقيتها أمام شعوبها وأمام الرأي العام العالمي.
رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الذي وصف الاعتراف بالدولة الفلسطينية بأنه «جائزة للإرهاب»، لم يفعل سوى تكريس صورة إسرائيل ككيان مرتبك يخشى فقدان السيطرة على السردية. هذه اللغة تكشف ذعرا أكثر مما تُظهر قوة. أما الاعترافات المتلاحقة، فهي دليل على أن العالم بدأ يلتفت إلى حقيقة أن الفلسطينيين، رغم الحصار والقصف والتجويع، ما زالوا واقفين يطالبون بحقهم المشروع في دولة مستقلة.
الهجوم على الدوحة واستمرار العدوان على غزة ورفض أي حل سياسي كلها مظاهر لذات المنطق: الإيمان الأعمى بأن القوة وحدها تكفي لضمان البقاء.
إن اعتراف بريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا والبرتغال وغيرها بدولة فلسطين يشكل بداية مرحلة جديدة، حيث لم تعد القوة الإسرائيلية الغاشمة قادرة على إخفاء الحقيقة أو منعها من الظهور. فلسطين، التي قاومت لعقود تحت النار، تدخل اليوم زمن الشرعية الدولية، فيما إسرائيل، رغم ما تملكه من سلاح، تخسر أهم ما يمكن أن تملكه أي دولة: القبول والاعتراف.



