الأعمدة

من رحم المعاناة تولد الأبطال: هانا هامبتون.. حارسة هزمت الظلام لتنير عرش العالم

#image_title
#image_title

#image_title

#روما، رضوان علي الحسن
– في سجل الأبطال، تكتب القصص أحيانا بمداد من نور، وأحيانا أخرى من رحم الظلام نفسه. وقصة هانا هامبتون، حارسة المرمى الإنجليزية التي توجت بلقب “يفاشين” لأفضل حارسة في العالم، ليست مجرد قصة رياضية عابرة، بل هي ملحمة إنسانية صاغتها إرادة لم تعرف معنى لكلمة “مستحيل”.
البداية.. رحلة في متاهة ضباب
لم تكن انطلاقة هانا إلى هذه الحياة انطلاقة عادية. منذ عامها الأول، رصد والداها شبحا من عدم الوضوح يلوح في عينيها، “حول” شكل التحدي الأول. ثلاث عمليات جراحية خاضتها الطفلة الصغيرة، كأنما ترمم بوصلتها البصرية نحو حلم لم تره بعد، لكن النجاح لم يحالفها. ثم انتقلت العائلة إلى إسبانيا، حيث الشمس الساطعة والكرة التي تداعب الأحلام. هناك، في أكاديمية فياريال، أظهرت هانا موهبة لامعة كمهاجمة، كأنها تبحث في الملعب عن مجد تعرفه عيناها قبل أن تعرفه قدمها.
لكن القدر كان يخبئ مفاجأته القاسية؛ فبعد فحوصات طبية، اكتشف الأطباء أنها تعاني من “طول النظر”، ذلك الخلل الذي يحول العالم إلى مسافات مشوشة، ويجعل تقدير الأبعاد مهمة شاقة. وكانت النصيحة الطبية القاسية: “من الأفضل أن تبتعد عن كرة القدم”. كلمات قليلة كفيلة بدفن حلم في مهده.
التحول.. عندما يولد الأمل من رحم اليأس
لكن الأبطال لا يقرأون نهايات القصص من منتصفها. رفضت هانا أن يكون اليأس هو الحكم. عند عودتها إلى إنجلترا في العاشرة من عمرها، لم تترك الملعب، بل غيرت موقعها فيه. من قلب الهجوم، حيث تحتاج العين إلى رؤية الهدف، إلى حماية المرمى، حيث يصبح الهدف هو “منع” الكرة من رؤية الشباك. لقد حولت نقطة ضعفها إلى قلعة حصينة، جعلت من عينيها، برغم التحدي، رادارا يصد هجمات المنافسين. اختارت أن تكون السد المنيع، الحارس الذي يحرس حلمه من إعاقة نظرته.
الصعود.. وميض النجومية في سماء إنجلترا
انطلقت مسيرتها المهنية تتسلق سلم المجد بثبات؛ من بيرمنجهام سيتي إلى أستون فيلا، حيث أظهرت براعة جعلت عمالقة الكرة الإنجليزية ينتبهون لها، لينتهي بها المطاف في نادي تشيلسي العريق. هذا التميز دفع مدرب المنتخب الإنجليزي لاستدعائها في عام 2022، لترتدي قميص “الأسود الثلاثة” حاملة معها قصة كفاح لا يعرفها الكثيرون.
المفاجأة والمسؤولية.. خمسة أسابيع صنعت التاريخ
وقبل بطولة أمم أوروبا للسيدات “اليورو” بخمسة أسابيع فقط، هز خبر مفاجئ منتخب إنجلترا: اعتزال الحارسة الأساسية، ماري إيربس، بسبب ضغوط شخصية. في لحظة، أصبح ثقل آمال أمة كروية بكاملها على عاتق هانا. لم يكن هناك وقت للتردد. وفي خضم البطولة، تعرضت لإصابات مؤلمة، من كسر في الأصابع إلى نزيف بالأنف، تفاقمت بسبب مشكلة النظر الأساسية، لكنها وقفت كالطود الشامخ.
الذهبي.. والجائزة التي توجت رحلة التحدي
اللحظة الأسطورية جاءت في النهائي. تحت الأضواء وضغط الملايين، تصدت هانا لركلتي جزاء حاسمتين، محققة لقب البطولة لمنتخب بلادها. كانت لحظة انتصار لا للفريق فقط، بل لكل من واجه صعوبة ولم يستسلم. ثم جاء التتويج العالمي بالأمس، جائزة “ليف ياشين”، لترسم الابتسامة الأخيرة على وجه هذه الملحمة. لم تكن الجائزة مجرد تقدير لأفضل تصد، بل كانت إجلالا لإرادة إنسانة رأت العالم بشكل مختلف، فغيرت نظرتنا جميعا إلى معنى “التحدي”.
هانا هامبتون لم تهزم فقط أفضل المهاجمات في العالم، بل هزمت ذلك التشخيص الطبي القاسي، وهزمت اليأس، لتصبح نبراسا يضيء الطريق لكل طفل يحلم، ويواجه العالم من خلال عينين مختلفتين، ليثبت أن البطولة الحقيقية تصنع في القلب قبل العين. من رحم معاناتها، ولدت لنا أسطورة.

زر الذهاب إلى الأعلى