



#روما، رضوان علي الحسن
في عالم كرة القدم، حيث يُختزل الإرث غالبًا في عدد الأهداف والبطولات، تبرز بعض الشخصيات كنجوم ساطعة تتجاوز أضواؤها حدود الملعب. إنهم أولئك الذين يحملون راية القيم والإنسانية، ليصبحوا رموزًا للتغيير والإلهام. وفي مقدمة هؤلاء يقف العملاق البرازيلي الدكتور سقراط، الذي لم يكن مجرد أسطورة رياضية بموهبته الفذة، بل كان مفكرًا ثوريًا وناشطًا سياسيًا شجاعًا. إرثه الفريد هو الذي دفع مجلة فرانس فوتبول الشهيرة إلى تخليد اسمه من خلال إنشاء “جائزة سقراط”، التي تُقدم خلال فعاليات حفل الكرة الذهبية، لتكرّم اللاعبين واللاعبات الذين يتركون أثرًا إيجابيًا في المجتمع، محاكية بذلك روح ذلك القائد الاستثنائي.
و لم يكن لقب “الدكتور” الذي حمله سقراط البرازيلي مجرد لقب شرفي؛ بل كان شهادة على حقيقة شخصيته متعددة الأبعاد، حيث نجح في الجمع بين دقة الطب وبراعة كرة القدم ووعي المفكر السياسي. فبينما كان يدهش العالم بمهاراته في وسط الملعب، وبمسيرته الكروية مع كورينثيانز والمنتخب البرازيلي، كان يعدّ العدة لمعركة أكبر خارج أسوار الاستادات، هي معركة الحرية والكرامة الإنسانية.
الكرة كأداة للمقاومة
في ذروة فترة الديكتاتورية العسكرية في البرازيل خلال الثمانينيات، التي عانى خلالها الشعب من القمع وفقدان الحريات، اختار سقراط ألا يصمت. لم يكتفِ بشهرته كلاعب لتحقيق مكاسب شخصية، بل حوّلها إلى منصة لإسماع صوت المظلومين. كان قائدًا ومؤسسًا لحركة تاريخية عُرفت باسم “ديمقراطية كورينثيانز” (Corinthian Democracy).
ورفضت هذه الحركة الهيكل الديكتاتوري المسيطر على البلاد، وطبقّت مبادئ ديمقراطية داخل نادي كورينثيانز نفسه، حيث كان جميع أفراد النادي – من اللاعبين إلى عمال النظافة – يتساوون في التصويت على القرارات المهمة، مثل أوقات التدريب وحتى عقود الانتقالات. لم تكن مجرد مبادرة إدارية، بل كانت عملاً سياسيًا صريحًا، تحول معه الفريق إلى رمز حي للمقاومة السلمية ونموذج مصغر للديمقراطية التي كان البرازيليون يحلمون بها. لقد أثبت سقراط أن الملعب يمكن أن يكون برلمانًا شعبيًا، وأن الكرة يمكن أن تكون أداة للتغيير الاجتماعي.
إرث يتجاوز الألقاب
و على عكس العديد من عظماء الكرة، لم يقاس إرث سقراط بعدد الألقاب التي حصل عليها (مع أنها محترمة)، بل بقدرته على تحريك الضمير الجمعي لأمة. كان ينظر إليه الملايين ليس فقط كلاعب رائع، بل كنموذج للشجاعة والالتزام. لقد استخدم موقعه لتوعية الجماهير وتشجيعهم على المطالبة بحقوقهم، مظهرًا أن النجم الرياضي يمكن أن يكون ضميرًا لأمته.
جائزة سقراط: تكريم للقيم قبل الأرقام
انطلاقًا من هذا الإرث الإنساني الخالد، أطلقت مجلة فرانس فوتبول “جائزة سقراط” لتُمنح خلال حفل توزيع جوائز الكرة الذهبية. هذه الجائزة ليست عن عدد الأهداف أو البطولات، بل هي اعتراف باللاعبات واللاعبين الذين يستخدمون شهرتهم ومنصتهم لخلق تأثير إيجابي في مجتمعاتهم، من خلال العمل الخيري أو النشاط الاجتماعي أو الدفاع عن قيم العدالة والإنسانية.
بهذه الجائزة، تذكرنا الفرانس فوتبول والعالم الرياضي بأن أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقق خارج الملعب. إنها تكريم لروح سقراط الذي آمن بأن دور الرياضي لا ينتهي بصافرة نهاية المباراة، بل يمتد ليشارك في صنع عالم أكثر عدلاً وحرية. لقد أصبح سقراط، عبر شجاعته، معيارًا جديدًا للعظمة، تكرّمه الجائزة التي تحمل اسمه لتذكرنا دائمًا أن الرياضة الحقيقية هي التي تخدم الإنسان
.وفازت بالجائزة هذا العام مؤسسة “xana” للمدرب الأسباني لويس إنريكي، والتي أسسها هو وزوجته إلينا كوييل، تكريمًا لابنتهما مارتينز التي توفيت عام 2019، بسبب سرطان العظام، وكانت تبلغ 9 أعوام. وتقدم المؤسسة دعم ومساعدة شاملين للأطفال والشباب المصابين بالأورام وغيرها من الأمراض الخطيرة، وكذلك لعائلاتهم.



