محمد الفاتح حضرة


في تاريخ السودان الحديث، ظلّ الناس يتطلّعون دوماً إلى العلماء والشيوخ وأرباب الطوائف الدينية الإسلامية باعتبارهم مرجعيةً للحقّ والعدل، وصوتًا للحكمة في زمن الفتن. لكنّ الواقع الذي عايشناه خلال السنوات الأخيرة جاء صادمًا ومُخجِلًا: إذ لم يبرز لهؤلاء العلماء أي أثرٍ أو دورٍ في كبح جماح الحرب الأهلية أو في إدانة جرائم قتل الشباب المتظاهرين السلميين واغتصاب النساء وتعذيب الأسرى. بل على العكس، ظهر بعضهم على شاشات التلفزيون وقنوات مثل «طيبة» ليصدروا فتاوى تحرّم السعي للصلح بين المتقاتلين، وتفتح الباب لشرعنة القتل وتصفية الخصوم.
🛑فتاوى الدكتور محمد الأمين إسماعيل
#الشيخ محمد الأمين إسماعيل القيادي في جماعة أنصار السنة المحمدية ، خرج على الناس في بداية أيام الحرب بفتوى عجيبة حين سُئل عن صلح الحديبية الذي أبرمه النبي ﷺ مع كفار قريش، فقال إن المقارنة لا تصح، لأن:
«قوات الدعم السريع فعلت ما هو أسوأ مما فعله كفار قريش مع النبي والصحابة»!!
😡وهكذا سدّ هذا الشيخ الباب أمام أي دعوة لوقف الحرب والاقتتال ، مع أن القرآن والسنة مليئان بالآيات والأحاديث التي تجعل الإصلاح بين الفئتين المتقاتلتين واجبًا شرعيًا، وأنه لا يجوز ترك الحرب تلتهم الإخوة .
🛑فتوى عبد الحي يوسف
#أما الشيخ عبد الحي يوسف فقد تجاوز كل ذلك ، وأصدر فتاوى تُهدر دم كل من ينتمي إلى قوات الدعم السريع، دون أن يستثني حتي أولئك الذين لم يشاركوا في القتال ولم يرتكبوا أية جرائم!!!
في برنامج تلفزيوني على قناة «طيبة» قال الدكتور عبدالحي يوسف ما يفهم منه بإن «ما يسمي بالمتعاونين والحواضن السياسية » يُعَدّون محاربين لله ورسوله، ما يعني ضمنًا أن دماءهم مهدورة ووجب تطبيق حكم الله فيهم وهو القتل والصلب والقطع من خلاف والنفي !!!
ولم يقف عند هذا الحد، بل حين سُئل عن قوى الحرية والتغيير وقوى الثورة، قال إنهم «أخطر من الدعم السريع»!!!
أي أنّه by the way قد أفتى عملياً بإهدار دمائهم أيضاً.
بل..توسع الرجل حتي بشأن قصف بعض المناطق ووقوع ضحايا من المدنيين الأبرياء ، فقال أن هذا أمر عادي في هكذا ظروف طالما أن الهدف كان قتل الدعامة في تلك المنطقة !!!
وهكذا ..باتت المدفعية الثقيلة وقذائف الطائرات تتساقط علي الأحياء السكنية والأسواق وقتلت الكثير من الأبرياء !!!
🛑معنى وأثر هذه الفتاوى في الفقه الإسلامي.
#من يعرف قواعد الفقه يدرك أنّ وصف فئةٍ بأنها «محاربة لله ورسوله» يعني إدخالها تحت باب جريمةالحرابة، التي ورد حكمها في القرآن:
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ…}. وهذه العقوبة ليست قتلًا فقط، بل قد تصل إلى الصلب والقطع من خلاف. أي أن هؤلاء الشيوخ، حين يطلقون هذه التوصيفات، إنما يُفتون ضمنًا بالقتل والصلب، ويُطلقون رصاصةً شرعيةً تُستغل على الأرض لتصفية الخصوم دون قضاءٍ ولا محاكمة.
🤔كيف أُستُغلت هذه الفتاوى سياسياً وعسكرياً ؟
للأسف، لم تبقَ هذه الفتاوى في بطون الكتب أو في فضاء الجدل الفقهي. لقد استغلّها جنود الجيش وكتائب الأمن التابعة لجماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وشركاؤهم كذريعةٍ لتصفية الأسرى وقتل الناس على الهوية أو بمجرد الاشتباه في أنهم من «حواضن» الدعم السريع أو من أنصار قوي الثورة.
لقد شاهدنا بأعيننا وسمعنا شهاداتٍ عن مدنيين أُعدموا ميدانياً، وعن أسرى قُتلوا بدمٍ بارد، كل ذلك تحت غطاءٍ من هذه الفتاوى الشريرة.
🛑التناقض المفضوح
#الأغرب من ذلك، أنّ هؤلاء الشيوخ أنفسهم كانوا قبل الحرب يحتفون بقائد الدعم السريع حميدتي ويجلسون إليه ويثنون عليه، وكانوا يتوافدون و يسعون الي لقائه ربما طلباً لعطائه وسخائه. إنهم ، كانوا جميعاً إخوة في الولاء والتبعية لنظام الإنقاذ و لجماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. لكن ما إن تمرّد حميدتي على قائد الجيش، انقلب الخطاب فجأة، فأصبح الدعم السريع «أسوأ من كفار قريش»!!
مع الإشارة إلي أن عبد الحي يوسف كان قد وصف البرهان بعباراتٍ حادةٍ (مثل: «ما عندو دين ولا أخلاق») في تسجيلات ومقاطع بثّت على قنوات وصفحات إخبارية. هذه العبارات موثّقة في تسجيلات متداولة..
فإذا كان عبد الحي يوسف يرى أن البرهان «لا دين له ولا أخلاق» وأنه شبيه بحميدتي في بعض الصفات، فلماذا يدعو الناس الي أن يقاتلوا في صفوف البرهان؟
واضح جداً ، أن عبدالحي يوسف ورفاقه ليس غايتهم أن ينتصر البرهان علي حميدتي ،و إنما مصلحتهم المنشودة ستتحقق بإستمرار الحرب !!!
النتيجة الواضحة لمواقف هؤلاء العلماء قادة ما يعرف بالتيار الإسلامي العريض: هناك تناقضٌ لا يُعذر — أن تُدْنِسَ لسانك بوصف شخصٍ ما «بلا دين ولا أخلاق» ثم تُسوغ للناس أن يساندوا أو يقاتلوا في صفوفه، يدلّ على أن الفتوى قد تحوّلت عند بعضهم إلى أداةِ مصلحةٍ لا إلى ضميرٍ إسلاميٍّ يبحث عن الحفاظ على النفس والمال والعِرض. ورغم أن الدافع قد يتبدّى مركزيًا في «حماية المشروع السياسي» أو «الحفاظ على النفوذ» أو «الوصول إلى موارد» — فإن النتيجة الوحيدة التي نراها أمامنا بسبب مواقف هؤلاء العلماء وشيوخ الدين ، هي استمرارُ الحرب وإزهاقُ الأرواح وتشريدُ الملايين.
هذا التناقض يكشف أن الفتاوى لم تكن بحثًا عن حكم شرعي بحتاً ، بقدر ما كانت سلاحاً سياسياً موجّهاً بحسب المصلحة الحزبية اوالولاء الحزبي والطائفي.
🛑الشريعة الحقيقية… لا الفتوى المسيسة
#إنّ قواعد الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكبرى (الكليات الخمس: حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال) كلها تدعو بوضوح إلى السعي لوقف الحرب، وحفظ الأرواح، ومنع الفتنة. والقرآن يقول:
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}. فأين هم هؤلاء الشيوخ من هذا النص الصريح؟
ولماذا اختاروا أن يُشعلوا الحرب بفتاويهم بدل أن يُطفئوا نيرانها ؟
🛑مسؤولية العلماء والواجب اليوم.
#لا يجوز في عالم اليوم أن يطبّق كل إنسان القانون بيده، ولا أن تُستغل الفتوى لتبرير قتل الناس خارج إطار العدالة. الواجب أن يُسلَّم المجرم المشتبه به إلى النيابة العامة للتحقيق، ثم إلى القضاء ليحاكم إذا وُجدت بينات. أما قتل الناس وتصفية الأسرى بغير محاكمة، فهو ظلمٌ بيّن، وهو جريمة في الشرع قبل أن تكون جريمة في القانون.
لقد تسبّبت هذه الحرب، المستمرة منذ ثلاث سنوات تقريبًا، في إزهاق عشرات الآلاف من الأرواح، وتشريد الملايين، وتدمير البنية التحتية والمرافق العامة والخاصة، وإفقار الشعب السوداني. وكان يمكن أن تُحقن الدماء لو أنّ العلماء اتخذوا موقفًا شجاعًا بدعوة صريحة إلى الصلح ووقف الحرب وحفظ أرواح الناس وعدم الإضرار بهم أو بالبلد .
🛑الخاتمة
#إنّ التاريخ لن يرحم هؤلاء العلماء الذين باعوا دينهم للسياسة، ولن يغفر لهم الشعب دماء أبنائه التي أُهدرت تحت غطاء الفتوى.
الواجب اليوم على كل عالمٍ صادقٍ أن يرفع صوته عالياً صادعاً بكلمة الحق:
الصلح واجب، ووقف الحرب فريضة، والفتاوى التي تحرّض على القتل خيانة للدين وللوطن!!
وعلى كل الشعب السوداني التوبة والإنابة إن أرادوا أن يرفع الله هذا البلاء الذي نزل علي أرض السودان
#السودان #علماء_الفتنة #الصلح_خير #العدالة_أولًا #لا_للتحريض



