” السودان: شعبٌ عظيمٌ بين نيران حرب الفلول وطوفان النيل وسُمّ الأوبئة”
بقلم : معاوية أبوالريش
في صمتٍ مُطبق يُعاني الشعب السوداني العظيم، بعيداً عن أضواء الإعلام وصخب العالم، محنةً لا يستطيع عقلٌ بشري أن يتصوّرها، ولا قلبٌ إنساني أن يتحمّل وقعها. إنها قصة شعبٍ كامل يُحاصره الموت من كل اتجاه: نيران حربٍ عبثية أشعلها فلول النظام البائد، وطوفان النيل الذي يُغرق الأمل مع المنازل، وأوبئة فتّاكة تحصد الأرواح في صمت، كل ذلك بينما تقف حكومة عاجزة لا تملك من الأمر شيئاً أمام سطوة العسكر وطموحات الفلول السلطوية.
حين خرجت الثورة… فأشعل الفلول الحرب :كان ديسمبر 2018 شهر الأمل والأحلام، حين خرج الشعب السوداني في ثورةٍ مجيدة أسقطت نظام عمر البشير الذي حكم البلاد بقبضةٍ حديدية لثلاثة عقود. ملايين السودانيين والسودانيات ملأوا الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، حالمين بوطنٍ ديمقراطي يسوده القانون وتُحترم فيه كرامة الإنسان. لكن فلول النظام البائد والحركة الإسلامية التي تسيطر على قيادة الجيش السوداني لم يكونوا مستعدين للتخلي عن السلطة والنفوذ الذي تمتّعوا به لعقود.
وهكذا، في أبريل 2023، أشعلوا فتيل حربٍ عبثية مُدمّرة، ليس دفاعاً عن الوطن كما يدّعون زوراً وبهتاناً، بل لتأمين عودتهم للسلطة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن دماء الأبرياء وتدمير الوطن. أطلقوا على حربهم اسم “حرب الكرامة”، بينما الحقيقة المُرّة أنها حرب سلطة ومصالح، حربٌ لا ناقة للشعب السوداني المسكين فيها ولا جمل، حربٌ دفع ثمنها الأبرياء من دمائهم وأرواحهم ومستقبلهم.
منذ ذلك اليوم المشؤوم، والسودان يغرق في بحرٍ من الدماء. سقط عشرات الآلاف من القتلى، وأشارت بعض التقديرات إلى أن العدد قد وصل إلى 150 ألف قتيل، لكن الرقم الحقيقي يظل مجهولاً لأن الكثير من الضحايا لم يُحصوا أصلاً. أشارت دراسة إلى أن 90% من الوفيات في ولاية الخرطوم وحدها لم تُسجّل، ما يعني أن المأساة أكبر بكثير مما نعرف. في الأشهر الستة الأولى من عام 2025 وحده، وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 3,384 مدنياً، معظمهم في دارفور وكردفان والخرطوم، لكن هذا الرقم لا يعكس إلا جزءاً ضئيلاً من الحقيقة المروّعة على الأرض.
أما الذين نجوا من الموت، فقد أُجبروا على ترك ديارهم والفرار بحثاً عن الأمان. نزح أكثر من 14 مليون سوداني من منازلهم، أي ما يقارب ثلث سكان البلاد، ليُصبح السودان موطناً لأكبر أزمة نزوح في العالم. ملايين الأسر تمزّقت، وملايين الأطفال فقدوا طفولتهم، وملايين الشباب رأوا أحلامهم تتبخّر في أتون حربٍ لم يختاروها، حربٍ فرضها عليهم فلول نظامٍ بائد يرفض الرحيل.
“بَلْ بَسْ”: حين يُصبح العناد أهم من حياة الملايين: لو كانت المأساة تقتصر على اندلاع الحرب فقط، لكان الأمر مُحتملاً بطريقةٍ ما، لكن الجريمة الأكبر التي ارتكبها فلول النظام البائد وقيادة الجيش السوداني هي رفضهم المُطلق لكل نداءات السلام. كلما قُدّمت مبادرة دولية أو إقليمية لوقف إطلاق النار، رفضوها بكل غطرسة. كلما دعت منظمة دولية إلى وقف القتال وحماية المدنيين، تجاهلوها وكأن الأمر لا يعنيهم. كلما صرخ الشعب السوداني مطالباً بالسلام، أغلقوا آذانهم عن هذه الصرخات وواصلوا مسيرتهم الدموية.
رفعوا شعار “بَلْ بَسْ”، أي مواصلة القتال حتى آخر جندي، متجاهلين أن كل يومٍ إضافي من هذه الحرب يعني المزيد من الأرواح البريئة التي تُزهق، والمزيد من الأطفال الذين يُصبحون أيتاماً، والمزيد من النساء اللواتي يترمّلن، والمزيد من الأسر التي تُشرّد من ديارها. لم يكن هذا العناد دفاعاً عن مبدأ أو قضية عادلة، بل كان تعبيراً عن طموحات سلطوية لا تُبالي بمعاناة الملايين، طموحات فلولٍ يريدون العودة للسلطة مهما كان الثمن.
وبينما كان قادة الجيش وفلول النظام البائد يرفعون شعارات الكرامة والنصر، كان الشعب السوداني المسكين يدفع الثمن الحقيقي لهذه الحرب. في المستشفيات، كانت الممرّات تمتلئ بالجرحى الذين لا يجدون سريراً ولا علاجاً. في مخيّمات النزوح، كانت الأسر تفترش الأرض تحت السماء دون مأوى أو طعام أو ماء. في المدن المحاصرة، كان الناس يموتون جوعاً ومرضاً، بينما قوافل المساعدات الإنسانية تُمنع من الوصول إليهم. هذه هي الكرامة التي تحدّث عنها الفلول: كرامة الموت البطيء للأبرياء.
حين تتآمر الطبيعة والبشر على شعبٍ واحد: لو كانت الحرب هي المصيبة الوحيدة التي حلّت بالسودان، لكان الأمر أهون، لكن القدر – أو ربما جريمة الفلول التي دمّرت قدرة الدولة على مواجهة الأزمات – شاء أن تتوالى الكوارث على هذا الشعب المنكوب. فبعد مرور ثلاثة أعوام من الحرب المُدمّرة، جاءت فيضانات النيل في سبتمبر 2025 لتُضاعف من معاناة السودانيين والسودانيات. أصدرت وزارة الري تحذيراً بـ “الإنذار الأحمر” من فيضاناتٍ محتملة في خمس ولايات على طول نهر النيل بسبب ارتفاع منسوب المياه في النيلين الأزرق والأبيض، لكن الدولة المُنهارة بسبب الحرب لم تكن قادرة على فعل شيء لحماية مواطنيها.
تأثّر أكثر من 190 ألف شخص مباشرة بالفيضانات، ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل، وأُغرقت المحاصيل الزراعية التي كانت الأمل الوحيد للكثيرين في مواجهة المجاعة المُحدقة. الأسر التي كانت قد فرّت من نيران الحرب ووجدت ملاذاً آمناً في قرىً نائية، وجدت نفسها تُشرّد مرةً أخرى، هذه المرة بسبب الفيضانات. منازل بُنيت على مدى عقود اختفت تحت المياه في ساعات، وحقول زُرعت بعرق الكادحين غرقت قبل أن يحين موعد حصادها، والأمن الغذائي الذي كان مُهدّداً أصلاً بسبب الحرب، أصبح الآن في أسوأ حالاته.
لكن الكارثة لم تقتصر على تدمير المنازل والمحاصيل فقط، بل فتحت الفيضانات باباً جديداً للموت: المياه الراكدة أصبحت بيئةً مثالية لتكاثر البعوض، والبعوض يحمل معه الملاريا وحمّى الضنك، تلك الأمراض الفتّاكة التي لا يجد السودانيون دواءً لعلاجها. وهكذا، تحوّلت الفيضانات من كارثة طبيعية إلى كارثة صحية مُضاعفة، كارثة كان من الممكن تجنّب الكثير من تبعاتها لو لم تُدمّر الحرب قدرة الدولة على الاستجابة للطوارئ.
الموت الصامت: حين تُصبح الأوبئة سلاحاً فتّاكاً: بينما كان العالم ينشغل بأخبار الحرب والفيضانات، كان الموت الصامت يتسلّل إلى بيوت السودانيين في صورة أوبئة فتّاكة. الملاريا وحمّى الضنك، تلك الأمراض التي كانت تحت السيطرة في السنوات الماضية، عادت بقوة مُضاعفة لتحصد الأرواح في صمتٍ مُريع. السبب بسيط ومُفجع في الوقت ذاته: النظام الصحي الذي دمّرته الحرب لم يعد قادراً على حماية المواطنين من هذه الأمراض.
في منطقة واحدة من العاصمة فقط، تمّ الإبلاغ عن أكثر من 5,000 حالة إصابة بالملاريا والتيفوئيد وحمّى الضنك خلال شهرٍ واحد، مصحوبة بعشرات الوفيات. في أسبوعٍ واحد، تمّ تسجيل حوالي 500 حالة إصابة جديدة بحمّى الضنك في ولاية الخرطوم. أما على مستوى السودان كله، فقد تمّ الإبلاغ عن 4,544 حالة إصابة بحمّى الضنك و12 حالة وفاة، بينما سُجّلت أكثر من 28,000 حالة كوليرا و836 حالة وفاة في 11 ولاية. لكن هذه الأرقام، المُروّعة بحد ذاتها، لا تعكس الحقيقة الكاملة، لأن الكثير من الحالات لم تُسجّل أصلاً في ظل انهيار النظام الصحي.
في ممرّات مستشفيات بأمدرمان والخرطوم، المشهد يُحطّم القلب: الممرّات تحوّلت إلى أجنحة مؤقّتة لمرضى حمّى الضنك والملاريا الخبيثة ، والمرضى يفترشون الأرض في انتظار سريرٍ قد لا يأتي، والأطباء والممرّضون يعملون بإمكانيات شبه معدومة في محاولةٍ يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. الأدوية المُضادّة للملاريا وحمّى الضنك إما غير متوفّرة أو بأسعارٍ خيالية لا يستطيع معظم السودانيين تحملها، ما يعني أن آلاف المرضى محكومٌ عليهم بالموت لمجرد أنهم فقراء.
السبب في هذه الكارثة الصحية واضحٌ ومباشر: ما يصل إلى 80% من المرافق الصحية في مناطق الصراع – بما في ذلك الجزيرة وكردفان ودارفور والخرطوم – إمّا بالكاد تعمل أو مُغلقة تماماً. المستشفيات التي لم تُدمّر في القصف، نُهبت معداتها. العيادات التي ظلّت قائمة، فرّ منها الأطباء والممرّضون خوفاً على حياتهم. سيارات الإسعاف التي كانت تنقل المرضى، أصبحت الآن حُطاماً أو سُرقت لاستخدامها في الحرب. هذا الانهيار الكارثي في النظام الصحي هو نتيجة مباشرة وحتمية للحرب التي أشعلها فلول النظام البائد وقيادة الجيش السوداني الذين رفضوا كل نداءات السلام.
حكومة كامل إدريس عاجزة في ظل سيطرة العسكر: في مايو 2025، وفي محاولة لإضفاء واجهة مدنية على السلطة العسكرية، عيّن عبد الفتاح البرهان كامل إدريس رئيساً للوزراء، ليكون أول رئيس وزراء مدني منذ استقالة عبد الله حمدوك في 2022. أُطلقت الوعود الرنّانة عن تشكيل “حكومة الأمل” التي ستُنهي معاناة الشعب وتُعيد بناء الدولة، لكن الواقع على الأرض كان مُختلفاً تماماً.
حكومة كامل إدريس، رغم تسميتها المدنية، ليست سوى واجهة شكلية لسلطة عسكرية يسيطر عليها فلول النظام البائد والحركة الإسلامية. القرارات الحقيقية لا تُتخذ في مجلس الوزراء، بل في غرف العمليات العسكرية حيث يجلس القادة العسكريون الذين يُصرّون على مواصلة الحرب. كامل إدريس نفسه، مهما كانت نواياه طيبة، لا يملك سلطة حقيقية لوقف الحرب أو إجبار العسكر على قبول السلام، لأن السلطة الفعلية ليست بيده.
النتيجة المُحتّمة لهذا الوضع هي عجز كامل عن تقديم أي عونٍ حقيقي للشعب السوداني المنكوب. الخدمات الأساسية منهارة، والكهرباء مقطوعة عن معظم المدن، والمياه النظيفة نادرة، والخبز أصبح حلماً بعيد المنال لملايين الأسر. الاستجابة الإنسانية ضعيفة، والتنسيق مع المنظمات الدولية محدود، وقوافل الإغاثة تُمنع من الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجاً.
أدّى هذا الوضع الكارثي إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم: 24.6 مليون شخص يُواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد وسط خطر متزايد للمجاعة، و19 مليون شخص يفتقرون إلى المياه الآمنة والصرف الصحي، وتفشّي الكوليرا مستمر دون أي قدرة على السيطرة عليه. والمسؤول الأول والأخير عن كل هذا هو قيادة الجيش وفلول النظام البائد الذين يُصرّون على مواصلة حربهم العبثية.
حين يُصبح البقاء على قيد الحياة بطولة يومية: في هذا الجحيم الذي صنعه فلول النظام البائد، أصبح البقاء على قيد الحياة بطولةً يومية يُحققها الشعب السوداني بصبرٍ وصمود لا مثيل له. كل صباح، يستيقظ ملايين السودانيين والسودانيات ليواجهوا تحدّيات تفوق قدرة أي إنسان على التحمّل: أينَ سيجدون الطعام لأطفالهم الجوعى؟ كيف سيحصلون على الماء النظيف؟ هل سيجدون دواءً لطفلهم المريض بالملاريا أو حمى الضنك ؟ هل ستصل إليهم مياه الفيضانات؟
المواطن السوداني يُواجه مصيره بمُفرده، مُعتمداً على قوته الذاتية وتضامن مجتمعه. لجان المُقاومة الشعبية والمُنظّمات التطوّعية أصبحت الملاذ الوحيد للكثيرين، حيث يُقدّم المتطوعون ما يستطيعون بإمكانياتٍ محدودة للغاية، في ظل غياب شبه كامل للدولة. الأسر تتكاتف لمشاركة القليل الذي تملكه، والجيران يتعاونون لحماية بعضهم البعض، والشباب ينظّمون حملات لجمع التبرعات وتوزيع المساعدات وإطعام الجوعى من التكايا التي تقام هنا وهناك بجهد الخيريين .
لكن هذا الصمود العظيم لا ينبغي أن يكون غطاءً لجرائم فلول النظام البائد وقيادة الجيش، ولا ينبغي أن يكون عذراً لاستمرار حربهم العبثية. في بيوت الخرطوم ودارفور وكردفان، هناك قصص مُفجعة لا تُحصى: أمٌّ فقدت ابنها الوحيد في قصفٍ عشوائي، وطفلٌ أصبح يتيماً بعدما قُتل والداه في هجومٍ على قريتهم، وعجوزٌ فقد كل ما يملك بعدما أحرق طيران الجيش منزله، ومريضٌ يُحتضر لأنه لا يجد دواءً متوفراً، وطفلةٌ تُصارع الملاريا دون علاج، وأسرةٌ كاملة شُرّدت من منزلها مرّتين: مرّة بسبب الحرب ومرّة بسبب الفيضان.
المسؤولية الكاملة: سجلٌّ أسود من الجرائم: كل قطرة دمٍ سُفكت في هذه الحرب، وكل طفلٍ مات من الجوع أو المرض، وكل أسرةٍ شُرّدت من منزلها، وكل امرأةٍ ترمّلت، وكل طفلٍ تيتّم، وكل مريضٍ مات لعدم توفّر الدواء، وكل منزلٍ دُمّر، وكل حلمٍ تبخّر – فإن المسؤولية الكاملة والمباشرة عن كل هذا تقع على عاتق فلول النظام البائد وقيادة الجيش السوداني الذين تسيطر عليهم الحركة الإسلامية.
فهم من أشعلوا فتيل هذه الحرب العبثية لتأمين عودتهم للسلطة بعد أن أطاحت بهم ثورة ديسمبر المجيدة. و هم من رفضوا كل مبادرات السلام الدولية والإقليمية التي قُدّمت لوقف الحرب وإنقاذ الأرواح. وهم من رفعوا شعار “بَلْ بَسْ” ومواصلة القتال حتى آخر جندي، متجاهلين معاناة الملايين من السودانيين والسودانيات. وهم من ادّعوا زوراً وبهتاناً أن هذه حرب كرامة، بينما الحقيقة أنها حرب سلطة ومصالح ضيّقة. وهم من دمّروا البنية التحتية للدولة وشلّوا قدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية. وهم من تسبّبوا في انهيار النظام الصحي ممّا أدّى إلى انتشار الأوبئة القاتلة. وهم من حوّلوا السودان من بلدٍ آمن إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم.
هذا السجلّ الأسود من الجرائم لا يمكن أن يمرّ دون حساب. لا يمكن أن يستمر العالم في التعامل مع هؤلاء المجرمين كأطراف شرعية في صراع، بل يجب أن يُعاملوا كما هم: مجرمو حرب رفضوا السلام وتسبّبوا في أكبر كارثة إنسانية في العالم المعاصر.
نداءٌ عاجل: قبل أن يفوت الأوان: الوقت ينفد، والشعب السوداني يموت كل يوم بالآلاف، والعالم ينظر في صمتٍ مُريب. ما يحتاجه السودان الآن ليس مجرد بيانات الشجب والاستنكار، بل إجراءات حاسمة وفورية لإنقاذ شعبٍ كامل من الفناء.
أولاً وقبل كل شيء، يجب إجبار قيادة الجيش وفلول النظام البائد على وقف الحرب فوراً. لا بد من ضغطٍ دولي حقيقي وعقوبات رادعة تُجبرهم على إلقاء السلاح والجلوس على طاولة المفاوضات. شعار “بَلْ بَسْ” يجب أن ينتهي، ومعه يجب أن تنتهي كل الأحلام السلطوية للفلول.
ثانياً، يجب فتح ممرات إنسانية آمنة لإيصال المساعدات العاجلة إلى الملايين الذين يُواجهون الموت جوعاً ومرضاً. الطعام والماء والدواء يجب أن يصل إلى كل المناطق المنكوبة دون استثناء، ودون أن يكون رهينة للمساومات السياسية أو العسكرية.
ثالثاً، يجب محاسبة دولية لكل من أشعل هذه الحرب ورفض كل مبادرات السلام. فلول النظام البائد وقيادة الجيش الذين تسبّبوا في كل هذا الدمار يجب أن يُحاكموا أمام المحاكم الدولية كمجرمي حرب، وليس أن يُعاملوا كأطراف شرعية في صراع سياسي.
رابعاً، يجب دعم حقيقي لبناء حكومة مدنية ديمقراطية لا يسيطر عليها العسكر، حكومة تُمثّل إرادة الشعب السوداني الذي خرج في ثورة ديسمبر مطالباً بالحرية والسلام والعدالة، وليس حكومة شكلية كحكومة كامل إدريس التي لا تملك من الأمر شيئاً.
السودان يستحق الحياة: السودان، بلد النيلين وحضارة الأجداد العريقة، لا يستحق هذا المصير المُفجع. الشعب السوداني العظيم، الذي أثبت مراراً وتكراراً قدرته على صُنع التاريخ وإسقاط الطغاة، يستحق أن يعيش بكرامة وسلام في وطنه، بعيداً عن طموحات الفلول السلطوية وحروبهم العبثية.
إن ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو جريمة مُمنهجة ارتكبها فلول النظام البائد وقيادة عسكرية رفضت كل نداءات السلام وأصرّت على مواصلة الحرب مهما كان الثمن. هذه الجريمة لا يمكن أن تمرّ دون حساب، ولا يمكن للعالم أن يظل صامتاً أمام معاناة شعبٍ كامل يُحاصره الموت من كل اتجاه.
الشعب السوداني لم يُهزم، ولن يُهزم. رغم كل هذه المِحن، يواصل صموده وكفاحه من أجل غدٍ أفضل. لكن هذا الصمود يحتاج إلى دعمٍ حقيقي من المجتمع الدولي، دعم يتجاوز البيانات والتصريحات إلى أفعالٍ ملموسة توقف الحرب وتُحاسب المسؤولين عنها.
السودان ينزف، والشعب السوداني يُصرخ، ولكن صرخته ليست صرخة استسلام، بل صرخة مطالبة بالحق في الحياة الكريمة، بالحق في السلام، بالحق في مستقبلٍ أفضل لأطفاله. هذا الحق لا يجب أن يبقى حلماً بعيد المنال، بل يجب أن يتحوّل إلى واقعٍ ملموس يعيشه كل سوداني وسودانية.
العالم مطالبٌ اليوم، قبل أن يفوت الأوان، بأن يقف إلى جانب الشعب السوداني ضد فلول النظام البائد وقيادة الجيش الذين حوّلوا بلداً كان واحةً للتنوع والثقافة إلى ساحة حربٍ ومقبرة جماعية. مطالبٌ بأن يضغط على هؤلاء المجرمين لوقف حربهم العبثية والجلوس على طاولة المفاوضات. مطالبٌ بأن يُحاسبهم على جرائمهم ضد الإنسانية.
هذه ليست مجرد مسألة إنسانية، بل هي اختبار لضمير العالم أجمع. إذا سكت العالم اليوم عن جرائم فلول النظام البائد في السودان، فسيكون قد أرسل رسالة واضحة لكل الطغاة والمجرمين في كل مكان: أن بإمكانهم قتل الأبرياء وتدمير الأوطان دون حساب. أما إذا وقف العالم بحزم ضد هؤلاء المجرمين، فسيكون قد أنقذ ليس فقط الشعب السوداني، بل أنقذ أيضاً مبادئ العدالة والإنسانية التي تدّعي الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الدفاع عنها.
الشعب السوداني لا يطلب الكثير، بل يطلب فقط ما هو حق طبيعي لكل إنسان: أن يعيش في سلام، أن يُطعم أطفاله، أن يجد الدواء عندما يمرض، أن يأمن على نفسه وأهله، أن يبني مستقبلاً لأولاده. هذه الطلبات البسيطة أصبحت أحلاماً بعيدة المنال بسبب جريمة واحدة: حرب عبثية أشعلها فلول النظام البائد لتأمين عودتهم للسلطة.
إن الأجيال القادمة ستنظر إلى ما يحدث في السودان اليوم وستحكم على كل من كان له موقف أو سكت عن موقف. ستسأل: أين كان العالم عندما كان الشعب السوداني يموت جوعاً ومرضاً؟ أين كانت المنظمات الدولية عندما كانت الأوبئة تحصد الأرواح؟ أين كانت الأمم المتحدة عندما كان فلول النظام البائد يرفضون كل نداءات السلام؟ ولن تقبل هذه الأجيال بإجابات واهية عن عدم القدرة أو تعقيد الموقف، بل ستطالب بالحقيقة: كان هناك شعب يموت، وكان هناك عالم يشاهد.
السودان يستحق السلام، والشعب السوداني يستحق الحياة الكريمة، وفلول النظام البائد وقيادة الجيش الذين رفضوا السلام ورفعوا شعار “بَلْ بَسْ” يستحقون المحاسبة الدولية العادلة. والتاريخ لن يرحم من تخاذل عن نصرة شعبٍ عظيم يُحاصره الموت من كل جانب، ولن ينسى من وقف ضد الظلم ونصر المظلومين.
اللهم احفظ السودان وشعبه العظيم، وانصر المظلومين على الظالمين، وأنزل السلام على هذا الوطن الجريح.



