
بقلم /#مهيد شبارقة
في خضم الحرب العبثية المشتعلة التي مزقت أوصال السودان وأعادت تشكيل كثير من موازين القوى السياسية والاجتماعية المختله برزت مؤخرا ظاهرة مقلقة تتمثل في /#استخدام بعض مؤسسات الإدارة الأهلية /#كوسيلة لإعادة إنتاج وتمكين عناصر ارتبطت بالنظام السابق مستفيدة من حالة الفراغ الإداري والأمني التي تعيشها البلاد.
وتعد مناطق ولاية الجزيرة نموذجاً يستحق الوقوف عنده وتحليل ما يجري فيه بعيداً عن الانفعالات السياسية أو الحسابات الضيقة فقد ظلت الإدارة الأهلية في السودان عبر تاريخها الطويل مؤسسة اجتماعية ذات أدوار مهمة في حفظ السلم الأهلي واحتواء النزاعات وتعزيز التماسك المجتمعي غير أن التجارب السياسية المتعاقبة أضعفت استقلاليتها وحولتها في كثير من الأحيان /#لأداة لخدمة السلطة الحاكمة بدلاً من خدمة المجتمعات المحلية.
واليوم تحديدا ومع غياب مؤسسة النظارة الفاعلة القادرة على التعبير عن الإرادة الحقيقية للمجتمع المحلي تبرز مخاوف متزايدة من أن بعض المواقع الأهلية أصبحت تستغل لإعادة تدوير شخصيات كانت جزءاً بين من منظومة التمكين السياسي والإداري التي ثار عليها السودانيون في ديسمبر 2018 واسقطوها
#والمفارقة أن كثيراً من هذه الشخصيات لم تخضع لأي مراجعات أومحاسبات سياسية أو مجتمعية بل عادت إلى الواجهة مستفيدة من ظروف الحرب وانشغال سلطة الدولة بقضايا الأمن والبقاء وأصبح الانتماء للإدارة الأهلية أو الاحتماء ببعض رموزها بمثابة /#جسر للعودة إلى المشهد العام دون اي مساءلة حقيقية عن الأدوار السابقة أو المسؤوليات الأخلاقية والسياسية منطقتي كما هو الحال في مناطق أخرى من السودان يدور الجدل حول أشخاص بعينهم بقدر ما يدور حول (#المبدأ نفسه)
#فهل يجوز أن تتحول مؤسسات الإدارة الأهلية إلى منصات لإعادة إنتاج ذات النخب الاسلامية القديمة؟
#وهل يمكن أن تقوم بدورها التاريخي في تحقيق المصالحة المجتمعية وهي تتهم بالانحياز إلى طرف سياسي أو اجتماعي دون غيره؟
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات المحلية اليوم ليس فقط آثار الحرب والدمار والنزوح المتعمد بل أيضاً #محاولات إعادة إنتاج ذات الممارسات البغيضة التي ساهمت في /#إضعاف الدولة و/#إشعال الاحتقان الاجتماعي خلال العقود الماضية. فالمجتمعات التي دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها ومعاناتهم تستحق مؤسسات أهلية مستقلة ومحايدة تعبر عن الجميع لا عن فئة محددة او حزب منحل كما أن /#غياب النظارة الجامعة والقادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي داخل المنطقة يفتح الباب أمام صراعات النفوذ والتنافس حول الشرعية المجتمعية وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات في وقت يحتاج فيه السودان لكل عوامل الوحدة والتماسك لذا إن إعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب لن تتم فقط عبر /#الاتفاقات السياسية أو /#الترتيبات العسكرية بل تتطلب أيضاً إصلاحاً عميقاً لمؤسسات الإدارة المحلية والأهلية بما يضمن /#استقلاليتها عن الأحزاب ومراكز النفوذ ويجعل ولاءها الأول للمجتمع ومصالحه العليا وهذا لن يتأتى في حالة اعادة تدوير نفايات العهد البائد.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من الأبناء اليوم
#هل ستستعيد الإدارة الأهلية دورها التاريخي كحاضنة للمجتمع وحامية لوحدته أم انها ستتحول إلى بوابة جديدة لعودة ذات رموز الماضي تحت مسميات مختلفة؟
وذلك سؤال لن تجيب عنه البيانات الرسمية ولا الخطابات الاحتفالية الرنانة وإنما ستجيب عنه /#ممارسات الواقع و/مدى قدرة المجتمعات المحلية على /#حماية مؤسساتها من التسييس البين والاستغلال وصناعة مستقبل يتجاوز أخطاء الماضي بدلاً من إعادة إنتاجها.
ففي السودان الذي مزقته الحرب وأثخنته الانقسامات لا يبدو أن معركة السودانيين تقتصر على /#وقف نزيف الدم واستعادة الدولة فحسب بل تمتد أيضاً إلى مواجهة /#أشباح الماضي التي تحاول العودة من نوافذ جديدة بعد أن أُغلقت في وجهها أبواب السياسة الرسمية ومن بين أكثر هذه النوافذ إثارة للجدل ما يجري داخل بعض مؤسسات الإدارة الأهلية التي تحولت في بعض المناطق من مظلة اجتماعية جامعة إلى /#منصة يتسلق عبرها بعض المنتفعين وأصحاب الولاءات القديمة للعودة إلى المشهد العام ومنطقتي ليست استثناء من هذا المشهد فبينما ينتظر المواطن البسيط دوراً حقيقياً للإدارة الأهلية في معالجة آثار الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي ينشغل بعض المتصدرين للمشهد بمعارك النفوذ والوجاهة لتوزيع الأدوار الاجتماعية والسياسية وكأن شيئاً لم يحدث في السودان خلال السنوات الماضية والسؤال الذي يتردد همساً في المجالس وجهراً في وسائل التواصل الاجتماعي هو:
#لماذا يتكرر ظهور ذات الوجوه التي ارتبطت بمراكز النفوذ السابقة كلما غابت الرقابة الشعبية وضعفت مؤسسات الدولة؟
#الحقيقة المرة:
هي إن الأزمة ليست في الإدارة الأهلية كمؤسسة تاريخية لعبت أدواراً وطنية كبيرةسابقا وإنما في تحويلها إلى ملاذ آمن لذات النخب التي فقدت نفوذها السياسي وتسعى لاستعادته عبر الشرعية القبلية أو المجتمعية ويلاحظ المواطنون أن الخطاب الأهلي أصبح في بعض الأحيان أقرب إلى الخطاب السياسي منه لخطاب المصالحات والتنمية والخدمات وأصبح الحديث عن /#الولاءات و/#الانتماءات يعلو على الحديث عن /#المدارس المدمرة و/#المراكز الصحية الفاقدة لابسط الاجهزةو/#المزارعين الذين فقدوا مواسمهم ومصادر رزقهم
نعم إن أكبر خطر يهدد الإدارة الأهلية اليوم ليس الاختراق الحكومي فقط بل فقدانها لثقة المجتمع فعندما تتحول الادارة إلى أداة /#استقطاب سياسي بدلاً من أن تكون جسراً للوحدة الاجتماعيةسيما ان دفعت ولاية الجزيرة ثمناً باهظاً للحرب وللاستقطاب السياسي والعسكري ولن يكون من المقبول أن تدفع ثمناً جديداً عبر إعادة تدوير ذات الوجوه الانتهازية التي فشلت في التأسيس لبناء دولة العدالة والمواطنة خلال العقود المشؤمة الماضية.
فالمطلوب اليوم ليس استبدال أسماء بأسماء وإنما إعادة تعريف دور الإدارة الأهلية نفسها وضروط توليها بحيث تصبح /مؤسسة للمجتمع لا للحكومات و/منبراً للمواطن لا للسياسي و/صوتاً للضحايا لا للباحثين عن النفوذ.
فالشعوب التي لا تراجع تجاربها السابقة محكوم عليها بتكرار أخطائها والسودان لم يعد يحتمل دورة جديدة من إعادة إنتاج الأزمات تحت مسميات مختلفة.
=ويبقى السؤال مفتوحاً أمام أبناء الشبارقة وكل مناطق السودان:
=هل تكون الإدارة الأهلية جزءاً من مشروع بناء الدولة الجديدة أم تتحول إلى آخر حصون إعادة تمكين ذات رجال التنظيم بالأمس؟



