الأعمدة

دوماً ما يُلقى في وجهي السؤال ذاته هنا في المملكة العربية السعودية حيث اتجول .. هل ستتوقف الحرب قريباً؟

دوماً ما يُلقى في وجهي السؤال ذاته هنا في المملكة العربية السعودية حيث اتجول .. هل ستتوقف الحرب قريباً؟
وأجدني أمام خيارين لاثالث لهما : إما أن
أطمئن السائل بكلمة عابرة، أو أضع أمامه القراءة المستندة إلى الشواهد والوقائع.
والشواهد – ببرودها القاسي – تقول شيئاً واحداً، الحرب لن تتوقف الآن، بل ما زالت في طور التشكل، وهناك موجات في عمق بحرها اللا مرئي تتخلق ولن تنكسر مالم ” تدق القيف” وما هو قادم قد يكون أشدّ مما مضى.
فـ”الدعم السريع” الذي أنهكته معارك الوسط ، يعيد اليوم ترميم قوته الصلبة في الخفاء وتحت العيون في آن واحد. ما انكسر في الخرطوم والوسط يُعاد لملمته، ويجري ضخ أسلحة جديدة لم يألفها ميدان الحرب من قبل. لغة قادته المعلنة تبدو مائلة نحو السلام، لكن ترتيباته الميدانية تنطق بالعكس، استعداد طويل الأمد لجولة أخرى.
أما بورتسودان، فما تزال سجينة خطابها الأول منذ الخامس عشر من أبريل 2023: لا تبديل ولا مراجعة. لكنها، مثل خصمها، منهكة ومحاصَرة، والاختناق يزداد يوماً بعد يوم. تشبثها بصفة “الحكومة الشرعية” – بما يحمله ذلك من مسؤولية الأمن والدواء والخبز – يحوّل الأزمة إلى قيد أثقل، لا منفذ له مع ندرة الموارد وتراجع الداعمين وارتفاع الكلفةواستشراء الفساد .
سياسياً، بريق الحرب خبا في الشارع، الخطاب الرسمي فقد جاذبيته، والتناقض بين مكونات المعسكر الواحد بدأ يتكاثر مثل شقوق في جدار هش. ومع استعادة الخرطوم، ظهر سباق آخر على “الغنيمة”، فتناسل أمراء الحرب ومليشياتهم كما تتناسل الظلال في غروب طويل.
أما الخارج، فرباعيته ليست كتلك التي رسمتها البيانات الأولى. التباعد سيد الموقف، والحماسة لسلام السودان ضئيلة.
السعودية يمكن قراءة موقفها من خلال شاشة “العربية” و”الحدث”، حيث يتضح عداء صريح لأي مسار يوقف الحرب، ودعم واضح لإفشال الرباعية.
مصر يشف إعلامها عن فتور لا تخطئه العين، إذ لا يبتعد حرف عن هوى الحكومة، ولايرعى بعيدا عن حياضها
الإمارات ما زال إعلامها ثابتاً على خط واحد، دعم بلا سقف لـ”الدعم السريع”، وعداء معلن للجيش والإسلاميين الذين يمسكون بمفاصل السلطة في بورتسودان.
بهذا، لا تبدو الرباعية سوى محاولة أمريكية لتسكين المشهد، إرضاءً لتوازنات إقليمية أكثر من كونها رغبة جادة في سلام.
إذن، ما لم يقع المتغير الكبير – الصدمة التي تغيّر معادلة القوة أو إرادة الخارج – ستبقى الحرب ممتدة، وستظل احتمالات إيقافها هي الأضعف في سلّم الخيارات.
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى