بقلم | كاك منكوير داو: #رأي
في الوقت الذي يعيش فيه السودان أحد أكثر مراحله السياسية والإنسانية اضطرابًا، ظهر ملف جديد يهدد إعادة العلاقات بين جوبا وبورتسودان إلى مربع التوتر والحذر. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة عمليات ترحيل قسري لعدد من المواطنين الجنوبيين المقيمين في السودان، في خطوة أثارت صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية، وأعادت إلى السطح تساؤلات مؤلمة حول مصير العلاقات بين الشعبين اللذين جمعتهم الجغرافيا وفرقتهم السياسة.
#ترحيل مفاجئ في توقيت حساس
الترحيل القسري للجنوبيين لم يكن حدثًا عابرًا، بل رسالة سياسية عميقة المعنى والتوقيت. فالسودان يعيش منذ شهور وضعًا داخليًا معقدًا، وحكومة بورتسودان المؤقتة تحاول فرض هيبة الدولة في ظل الفوضى الأمنية. وفي خضم هذا المشهد، اتخذت السلطات قرارًا بترحيل الجنوبيين المقيمين في عدد من الولايات، بدعوى “تطبيق القانون وتنظيم الإقامة”.
لكن المتابعين للشأن السوداني يرون أن هذا التبرير يفتقر إلى المصداقية والمنطق، إذ إن غالبية المرحلين عاشوا في السودان لسنوات طويلة، وبعضهم من مواليد الشمال الذين لم يعرفوا جنوب السودان إلا بالاسم. لذلك، يذهب كثير من المحللين إلى أن القرار يتجاوز الإطار القانوني ليكون رسالة سياسية موجهة إلى حكومة جوبا، وربما إلى قوى إقليمية يعتقد أنها تلعب دورًا في توازنات الحرب السودانية الراهنة.
#قانون بلا إنسانية
في جميع النظم السياسية يفترض أن يكون القانون خادمًا للإنسان لا سوطًا في وجهه. لكن في الحالة السودانية، تحول القانون إلى أداة تبريرية لقرارات ذات طابع سياسي واضح، تتجاهل البعد الإنساني والحقوقي تمامًا.
فالترحيل القسري دون إنذار مسبق أو دراسة لوضع الأفراد القانوني والاجتماعي يعد انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، وتحديدًا للمواد التي تحظر النقل القسري للأشخاص المقيمين بصورة شرعية أو المستقرين في بلد ما لسنوات طويلة.
بل إن مثل هذه الإجراءات تفتح الباب لأسئلة أكبر:
هل بات القانون في السودان يستخدم كغطاء للعجز السياسي؟
إن تنفيذ القرار بهذه الصورة القاسية يشير إلى أن السلطة تحاول تصدير أزمتها الداخلية عبر معاقبة الأضعف، وهم الجنوبيون الذين يعيشون في أراضيها دون حماية سياسية حقيقية.
#رسالة سياسية بوجه إنساني مكسور
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن المناخ السياسي المتوتر بين الخرطوم (بورتسودان حاليًا) وجوبا. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تعددت الاتهامات المتبادلة بشأن دعم الجنوب لأطراف معينة.
وجاء الترحيل القسري، بحسب مراقبين، كرد غير معلن من بورتسودان، محاولة لإيصال رسالة مفادها أن “السودان لا يزال يمتلك أوراق ضغط مؤلمة” يمكن توجيهها في أي لحظة. غير أن هذا النوع من السياسات لا يحقق مكاسب استراتيجية، بل يخلق جروحًا جديدة في ذاكرة العلاقة بين الشعبين. فكل جنوبي يُرحل قسرًا اليوم سيحمل شعورًا بالخذلان والمرارة، وسينقل هذه الذاكرة للأجيال القادمة، ما يهدد مستقبل التعايش الذي كان يفترض أن يبقى جسرًا بين الدولتين، لا ساحة انتقام سياسي.
#جوبا بين الحذر والصمت
في المقابل، تتخذ حكومة جنوب السودان موقفًا حذرًا يقترب من الصمت. ورغم انتشار الأخبار عن عمليات الترحيل، لم يصدر أي بيان رسمي قوي من جوبا، لا من رئاسة الجمهورية ولا من وزارة الخارجية. اقتصر الموقف على تصريحات مقتضبة تتحدث عن “التواصل الدبلوماسي الهادئ” مع الخرطوم، دون إدانة أو تحرك علني لحماية المواطنين.
هذا الموقف أثار استغراب الشارع الجنوبي ونشطاءه، الذين يرون أن السكوت في مثل هذه المواقف ليس دبلوماسية بل ضعفًا في الموقف الوطني. فوزارة الخارجية، التي يفترض أن تكون “صوت الدولة في الخارج”، بدت غائبة أو مترددة في التفاعل مع الأزمة، وكأنها تخشى أن يغضب ذلك الجانب السوداني. ويرى مراقبون أن هذا الصمت يعكس أولويات السياسة الخارجية لجوبا، التي تضع المصالح النفطية والاقتصادية مع السودان في مقدمة الأولويات، حتى لو كان الثمن هو تجاهل الانتهاكات التي يتعرض لها الجنوبيون المقيمون في الشمال.
لكن هذا النهج، كما يرى آخرون، قد يضر بصورة الدولة أكثر مما يحميها، لأن الدول تُقاس بمدى قدرتها على حماية أبنائها والدفاع عن كرامتهم في أي مكان.
#الدبلوماسية الغائبة
غياب الدور الفاعل لوزارة الخارجية الجنوب سودانية في هذا الملف يطرح أسئلة مقلقة عن جاهزية الدبلوماسية الجنوبية للتعامل مع الأزمات العابرة للحدود. فمن المفترض أن تبادر الوزارة إلى:
التواصل الرسمي مع نظيرتها السودانية لمعرفة تفاصيل القرار وأسبابه.
تشكيل لجنة مشتركة لمراجعة أوضاع الجنوبيين المقيمين في السودان.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، ولذلك يصف بعض المحللين الموقف الجنوبي بأنه “صمت استراتيجي خطير”، لأنه يضعف الموقف التفاوضي لجوبا في أي حوار مستقبلي حول العلاقات الثنائية.
العلاقات بين جوبا وبورتسودان: من التعاون إلى التوتر
منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، ظلت العلاقة بين البلدين رهينة التوازنات السياسية والمصالح النفطية. فجوبا تعتمد على مرور نفطها عبر الأراضي السودانية، بينما تعتمد الخرطوم على الرسوم المالية التي تحصلها من هذا العبور.
غير أن هذه المصالح المشتركة لم تمنع تصاعد التوتر كلما اختلفت المصالح السياسية أو العسكرية.
#بين القانون والضمير
الأزمة الراهنة لا تتعلق فقط بترحيل مئات الأشخاص، بل بمفهوم العدالة والضمير الإنساني في إدارة الدول. حين يُستخدم القانون لتصفية حسابات سياسية، يفقد القانون قيمته، وتفقد الدولة احترامها. وحين تصمت الحكومات عن معاناة مواطنيها خوفًا من خسارة تحالف سياسي أو صفقة اقتصادية، تفقد تلك الحكومات مشروعيتها الأخلاقية.
#خاتمة: مستقبل العلاقات في ميزان الإنسانية
في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن بناء علاقة مستقرة بين جوبا وبورتسودان ما لم تبنَ على أساس من الاحترام المتبادل للإنسان قبل المصالح. فالحدود السياسية قد تفصل الدول، لكنها لا تستطيع فصل الضمير الإنساني أو الذاكرة المشتركة لشعبين جمعهما النهر والمصير.
الترحيل القسري للجنوبيين ليس أزمة قانونية فحسب، بل جرح سياسي وإنساني، وإذا لم يُعالج بالحكمة، قد يتحول إلى نقطة سوداء في تاريخ العلاقة بين البلدين. وعلى حكومة جنوب السودان أن تدرك أن صوت الدبلوماسية لا قيمة له إن لم يكن صوتًا للإنسان، وأن الكرامة الوطنية تبدأ من حماية أضعف مواطنيها، لا من الصمت أمام معاناتهم.



