الأعمدة

“حفلة التيس”… في شرم الشيخ

نزار السمندل
حفلٌ يشبه الهذيان، أُقيم في شرم الشيخ… المدينة التي وُلدت من الرمل والسراب. يا له من سراب.
لم يكن الأمر قمة سياسية بقدر ما كان عرضاً من عروض السيرك الحديثة، حيث تُدار السياسة على إيقاع الطبول، وتُمنح الجوائز لمن أضرم النار ثم باع وهمَ الإطفاء.
وقف دونالد ترامب، بوجهه المألوف الذي يجمع بين المهرّج والإمبراطور، يستقبل رؤساء العالم في أرضٍ ليست أرضه، كأنه قيصرٌ روماني استعار من الفراعنة قاعةً لتقديس الغرور.
كان المشهد، في حقيقته، امتداداً لرواية “حفلة التيس” لماريو فارغاس يوسا، حيث يُقام الاحتفال لا لتكريم بطل، بل لتمجيد طاغية، وإغراق الجماهير في طقوس الطاعة.
لم يكن ثمة ديكتاتور شرق أوسطي فقط هناك، بل ديكتاتور كوني يمدّ يده ليُقبّلها الجميع.
اصطفّ القادة تباعاً، أمام “المسيح المخلّص”. بعضهم متردد وبعضهم مسحور، بينما وقف رئيس كوكب الأرض والكواكب المجاورة، القادم من تل أبيب بعد خطابٍ مفعمٍ بمديح نتنياهو، يبتسم. يوزّع نظراتٍ متعالية، ويقول أمام الكاميرات: “اليوم يومٌ عظيم للشرق الأوسط”.
أيقصد الشرق الذي حوّلوه إلى خرائط ممزقة، أم الشرق الذي صار يتسوّل اعترافاً بسلامٍ واهٍ تُوقّعه دولٌ لا حرب بينها، بينما يغيب الطرفان الحقيقيان عن الطاولة: إسرائيل وحماس؟
كان الحفل غريباً حتى في تفاصيله الصغيرة: المنصّة (البوديوم) تحمل شعار الولايات المتحدة لا شعار الدولة المضيفة، كأن شرم الشيخ تحوّلت إلى ولاية أميركية مؤقتة.
الرئيس المصري يقف جانباً، وترامب يستقبل الرؤساء واحداً تلو الآخر على بساطٍ أحمر مُدّ له خصيصاً، فيما الكاميرات تتسابق لالتقاط “اللحظة التاريخية” التي لم تكن سوى مشهدٍ من مشاهد الاستلاب الكامل.
وفي ذروة الخيال المسرحي، مُنح ترامب قلادة النيل، أرفع وسامٍ في الدولة المصرية، كأنّ التاريخ يُقلّد نفسه سخريةً: منح التيس تاجاً من ذهب، ومنح المهرّج وسام الحكمة.
كيف يمكن أن يُقدّم هذا الرجل بالذات، الذي وقف في الكنيست ليعلن القدس عاصمةً أبدية لإسرائيل، وصادق على ضمّ الجولان، وتغنّى بحقوق إسرائيل في الضفة الغربية، على أنه صانع سلام؟ أيُّ سلامٍ هذا الذي يُكتب بحبر الاحتلال ويُختم بختم القهر؟
في تلك الحفلة المريبة، حضر من لا علاقة لهم بالنزاع، وغاب أصحاب الجرح. ظهر رئيس الفيفا (ما الذي أتى به إلى هنا؟)، وغابت فلسطين الحقيقية.
كان محمود عباس هناك، جسداً بلا صوت، يُصافح ولا يوقّع، كأنه تمثالٌ أُعيد إلى الحياة لمجرد التقاط صورة تذكارية.
حتى الدول البعيدة عن أي تماس مع الصراع (مثل قبرص وأذربيجان) وجدت لنفسها مقعداً في هذا المسرح الكبير، وكأن الدعوة وُجّهت لمن يملك كاميرا لا لمن يملك قضية.
تلك كانت “حفلة التيس” بنسخة الشرق الأوسط الجديد: ديكورٌ فخم، وموسيقى تصدح، وأكوام من التصفيق المصنوع.
أما الجوهر، فظل هو ذاته: عالمٌ يبيع الوهم باسم السلام، ويكافئ القاتل لأنه عرف كيف يبتسم أمام العدسات.
ترامب الذي أهان الدبلوماسية بقدر ما أهان المنطق، كان يعلم أن المسرح معدّ له.
هو الذي تاجر بالحروب وبالرموز وبالصفقات، جاء اليوم ليقطف ثمار “الوساطة”، بعد أن زرع الخراب في كل مكان.
إنه السلام الذي يُفرض لا الذي يُولد من رحم العدالة، تُعزف موسيقاه في شرم الشيخ بينما تتناثر أشلاء الأطفال في غزة، ويتجمهر الجوع والإذلال.
ولأنّ عالم اليوم بلا ذاكرة، فقد صفق البعض. صفقوا كما يصفق الممثلون في نهاية مأساةٍ كلاسيكية. لا يدركون أن الدماء التي سالت على المسرح لم تكن حبراً، بل حياةً حقيقية.
حفلةٌ للتاريخ، لكنها أشبه بعزاءٍ كبيرٍ في الضمير الإنساني.

زر الذهاب إلى الأعلى