في تطور سياسي يعكس تصاعد الحراك الدبلوماسي حول الملف السوداني، تزامنت زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، إلى القاهرة مع وصول الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف “صمود”، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها بداية مسار تفاوضي غير معلن برعاية مصرية وبدفع أمريكي متزايد.
هذه الزيارة المزدوجة تأتي في سياق جهود إقليمية ودولية متسارعة تهدف إلى احتواء الحرب التي أنهكت السودان منذ أكثر من عامين، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في إفريقيا. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن القاهرة باتت محورًا رئيسيًا في التحركات الجديدة، في ظل استعداد واشنطن لاستضافة اجتماعات الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات) في الرابع والعشرين من أكتوبر الجاري، والتي يُتوقع أن تشكل منعطفًا حاسمًا في مسار التسوية السياسية.
مصر تعود إلى الواجهة
اللقاء الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالبرهان في قصر الاتحادية أعاد التأكيد على دور مصر كوسيط إقليمي موثوق، مستندة إلى علاقاتها القوية مع المؤسسة العسكرية السودانية، وموقعها الجغرافي والسياسي المتداخل مع أمن واستقرار السودان. البيان الصادر عن الرئاسة المصرية شدد على أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض أي كيانات موازية أو حلول تنتقص من سيادة الدولة السودانية، في إشارة واضحة إلى التحفظات المصرية على أي ترتيبات خارج مظلة الحكومة الشرعية.
واشنطن تدفع بمقاربة جديدة
في موازاة ذلك، تكشف التقارير عن دور أمريكي متزايد خلف الكواليس، تسعى من خلاله إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى بلورة “صفقة سلام سودانية” توازن بين القوى العسكرية والمدنية. وتشير مصادر مطلعة إلى أن واشنطن تدرس إعادة عبد الله حمدوك إلى رئاسة الوزراء كخيار توافقي يحظى بدعم إماراتي وقبول نسبي من قيادة الجيش، في إطار مقاربة جديدة تهدف إلى ضبط التوازن السياسي الداخلي وإبعاد المؤسسة العسكرية عن التيار الإسلامي الذي تتهمه واشنطن وأبوظبي بتقويض عملية الانتقال الديمقراطي.
ويبدو أن البرهان بدوره يحاول إرسال إشارات إيجابية إلى الغرب، خاصة بإعلانه التمسك باتفاقيات إبراهام التي وقعها السودان عام 2021 لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع كـ محاولة لطمأنة واشنطن وإزالة مخاوفها من أي انفتاح عسكري سوداني على إيران أو حماس.
توازنات معقدة ومصالح متشابكة
ورغم الزخم الدبلوماسي المحيط بـ”مبادرة القاهرة”، فإن المشهد السياسي السوداني لا يزال معقدًا. فالمعلومات المتداولة تشير إلى لقاء مرتقب بين البرهان وحمدوك في القاهرة، بمشاركة غير مباشرة من قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تمهيدًا لإعلان بيان مبادئ يشكل قاعدة لاتفاق سياسي أوسع. إلا أن هذه التحركات تواجه ممانعة من بعض أطراف الحكومة الحالية، وعلى رأسها رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي يُراهن على حسم عسكري لصالح الجيش، تمهيدًا للحصول على دعم إماراتي لإعادة الإعمار بشروط اقتصادية جديدة.
في المقابل، تشير تقارير اقتصادية إلى تحركات أمريكية موازية، تتضمن وصول بعثة من شركات تعدين إلى بورتسودان لعقد لقاءات مع مسؤولين حكوميين، ضمن صفقة اقتصادية محتملة تربط بين رفع العقوبات ومنح امتيازات استثمارية للشركات الأمريكية في قطاع التعدين، ما يعكس تداخل البعد الاقتصادي مع الحسابات السياسية في إدارة الأزمة السودانية.
آفاق التسوية ومحدودية الأمل
ورغم كثافة التحركات الإقليمية، يرى محللون أن فرص نجاح وساطة القاهرة تبقى محدودة ما لم يُظهر الأطراف السودانيون استعدادًا حقيقيًا لتقديم تنازلات متبادلة. فغياب الثقة، وتضارب المصالح بين القوى العسكرية والمدنية، إضافة إلى تشابك الأجندات الإقليمية، كلها عوامل تُبقي السلام السوداني معلقًا على إرادة الخارج أكثر من الداخل.
لكن مع ذلك، فإن الزخم الدبلوماسي الحالي يشير إلى أن السودان يقف أمام منعطف حاسم؛ فإما اتفاق سياسي شامل يعيد ترتيب المشهد الداخلي على أسس جديدة، أو انزلاق أعمق نحو الفوضى يهدد استقرار الإقليم بأسره. وفي الحالتين، ستبقى القاهرة وواشنطن في قلب المشهد، ترسمان بخطى حذرة ملامح خريطة سلام لم تتضح معالمها بعد.



