95% من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي
اقتصاد السودان في ظل الحرب: انهيار الأسواق وفقدان الجنيه لـ87% من قيمته

قالت عدد من المنظمات الدولية إن الحرب في السودان والعقوبات المرتبطة بها تسببت في انهيار اقتصادي استثنائي، كما أدت الأعمال العدائية بشكل مباشر إلى تشويه الأسواق وسلاسل توريد الأغذية.
وسُجِّل ما لا يقل عن 283 حادثة عنف في الأسواق و1,754 حادثة أثرت على الأمن الغذائي والرعاية الصحية والمساعدات بين أبريل 2023 وديسمبر 2025، ما تسبب في نقص السلع وقفزات حادة في الأسعار.
كما أدت الاضطرابات في طرق التجارة الإقليمية ومسارات البحر الأحمر، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، إلى زيادة تكاليف النقل وإعادة تشكيل دورات السوق، وهو ما قيّد استيراد الوقود والأسمدة، ودفع التجار إلى اللجوء إلى طرق برية أكثر تكلفة أو مسارات غير مباشرة. وجعلت أسعار الوقود، التي بلغت 6,867 جنيهاً لليتر الواحد، من النشاط الإنتاجي أمراً شبه مستحيل.
عقوبات اقتصادية
أسهمت العقوبات الأمريكية ورحيل البنوك الإقليمية في عزل النظام المصرفي السوداني عن التمويل الدولي، وقطع الروابط مع الأنظمة المالية العالمية، ما أضعف السياسة النقدية وإدارة سعر الصرف، ودفع البلاد إلى الاعتماد على قنوات معاملات مكلفة عبر أطراف ثالثة.
وفي أبريل 2026، شملت الجهود الدولية ضغوطاً “لتجفيف المنابع المالية” للجهات المسلحة عبر تدابير مستهدفة، إذ هدفت إجراءات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ووزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) إلى تجميد الأصول وتقييد الدعم الخارجي.
وفي الشهر الماضي، حشد مؤتمر برلين تعهدات بقيمة 1.5 مليار يورو، إلا أن أثرها ظل محدوداً في تحقيق الاستقرار، في ظل استمرار استنزاف الموارد والنهب الممنهج للأسواق.
كما أدى النزوح الناجم عن الحرب إلى خروج الملايين من أسواق العمل، إذ نزح أكثر من 13 مليون شخص منذ بدء القتال، فيما يضيف نحو 4 ملايين عائد ضغوطاً إضافية على الوظائف والخدمات الأساسية.
انهيار الإنتاج
انهار الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 37.5% في عام 2023، واستمر في التراجع الحاد بعد ذلك، مسجلاً انخفاضاً تراكمياً بلغ 42% بنهاية العام الماضي.
وتعرض الإنتاج الصناعي والزراعي لضربة قاسية، حيث توقف أكثر من 60% من المصانع عن العمل، وانخفضت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 10% بحلول عام 2022، كما انهارت مشاريع زراعية كبرى مثل مشروع الجزيرة.
وقالت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إن إنتاج الحبوب انخفض بنسبة 22% خلال العام الماضي ليصل إلى نحو 5.2 مليون طن، ما قوض بشكل كبير سبل العيش الزراعية.
شبكات التهريب
وأشار تقرير صادر عن منظمة “داتا فريندلي سبيس” إلى أن الاقتصاد غير الرسمي أو الموازي يهيمن حالياً على نحو 60-70% من النشاط الاقتصادي، نتيجة توسع الشبكات المالية الموازية وشبكات السلع غير المشروعة، بما في ذلك تهريب الذهب، ما أدى إلى تحويل الإيرادات بعيداً عن الدولة وتمويل الجهات المسلحة، وتقليص القاعدة الضريبية.
كما انهارت الإيرادات العامة، إذ تراجعت نسبة الدخل إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 10% في بعض السنوات، في حين تجاوزت الديون الخارجية 60 مليار دولار، ما ضيّق المجال المالي لتحقيق الاستقرار.
وتتزامن هذه الاختلالات مع عجز حاد في التمويل الإنساني، حيث لم تُغطَّ خطة الاستجابة الأممية سوى بنسبة 16%، ما زاد من ضعف الأسواق وقدرات الإغاثة.
وتتوقع نماذج معهد الدراسات الأمنية (ISS) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) استمرار الركود لفترة طويلة، بمعدل نمو يقارب 1.2% سنوياً، مع أفق زمني بعيد للتعافي، ما لم تُنفذ تسوية سياسية وإصلاحات اقتصادية ومالية جوهرية.
استقرار العملة والأنظمة المصرفية
يعاني النظام النقدي في السودان من حالة عدم استقرار حاد، نتيجة تراجع قيمة العملة والتوسع في القنوات المالية غير الرسمية، ما أدى إلى تآكل الثقة وخروج معظم السيولة من النظام المصرفي.
وبنهاية أبريل الماضي، فقد الجنيه السوداني نحو 87% من قيمته خلال ثلاث سنوات، بعد أن تراجع من حوالي 55 جنيهاً للدولار في 2018 إلى أكثر من 600 جنيه في السوق الموازية بحلول 2023.
كما بلغ معدل التضخم السنوي نحو 77.7% في عام 2026، في حين تُقدَّر الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي بنسبة تتراوح بين 90-95%، بالتزامن مع خروج ستة بنوك أجنبية أو أكثر من السوق.
وتتآكل فاعلية السياسة النقدية نتيجة التدفقات المالية الموازية عبر الحدود، ما يحد من قدرة البنك المركزي على التحكم في أسعار الصرف والائتمان.
ويدعو محللون إلى إصلاحات قانونية لتعزيز استقلالية البنك المركزي، وإعادة الحسابات الحكومية إليه، والمضي في دمج البنوك لاستعادة الثقة.
كما أن عزلة القطاع المصرفي واختلال وظائفه نتيجة العقوبات والاضطرابات تحد من الوصول إلى رأس المال والتحويلات وتعافي القطاع الخاص، ما يعقد جهود إعادة الإعمار.
التوظيف
تعرض سوق العمل السوداني لانهيار واسع بفعل الانكماش الاقتصادي والنزوح وهيمنة الاقتصاد غير الرسمي، الذي يمثل أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي، ما أدى إلى تقلص القطاع الرسمي وتراجع فرص العمل المستدامة.
كما أدى التحكم في سلاسل القيمة الاستخراجية وشبكات تهريب الذهب إلى توجيه الدخول نحو أنشطة عسكرية غير مشروعة بدلاً من خلق وظائف منتجة.
وساهم ارتفاع التضخم، الذي بلغ نحو 77.7% هذا العام، في تآكل الأجور وتراجع الاستقرار الوظيفي.
وأدى النزوح إلى إخراج ملايين الأشخاص من سوق العمل، مع نزوح أكثر من 13 مليون شخص، بينما يشكل نحو 4 ملايين عائد ضغطاً إضافياً على الخدمات والوظائف.
وأفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن برامج سبل العيش لم تصل سوى إلى 14,630 شخصاً العام الماضي، ما يعكس محدودية التدخلات في خلق فرص العمل.
كما لم يُغطَّ التمويل الإنساني سوى 16% من الاحتياجات، ما قلص المساعدات النقدية والبرامج الداعمة للتوظيف وتعافي سبل العيش.


