وسط سيول دماء غزة التي تأبى أن تجف، عادت إسرائيل لتستأنف عملياتها العسكرية مدعية أن حركة حماس خرقت الاتفاق الأخير، وكأنها كانت تنتظر ذريعة لتعيد دوّامة النار إلى الميدان. هذا الخرق لم يبدُ مفاجئاً بقدر ما كان كاشفاً؛ إذ أعاد إلى السطح تساؤلاتٍ قديمة عن صدقية الالتزام الإسرائيلي بأي اتفاق، وعن الدور الأمريكي الذي يفترض به أن يكون ضامنا للسلام، وهو في واقع الأمر مظلّة تبريرية لكل اختراق جديد.
في قلب هذا المشهد، تبرز ما يُعرف بـ “استراتيجية الغموض الخلّاق”، وهي أداة يتقنها الساسة الذين يفضلون أن يتركوا الأبواب مواربة عوضا عن إغلاقها بتفاصيل ملزمة. تقوم هذه الاستراتيجية في جوهرها على أن يُقدّم صاحب المبادرة حزمة أهداف – لصالح طرف وهو الاحتلال الإسرائيلي – تُحاط بقدر محسوب من الالتباس، بحيث يجد كل طرف فيها ما يشبهه وما يرضيه، فيميل إلى القبول بها ولو مؤقتا. فالغموض هنا ليس نقصاً في الوضوح، بل تصميمٌ مدروس يمنح صاحب المبادرة مرونة في التراجع أو التقدّم حسب مقتضى اللحظة.
بهذا المنطق يمكن قراءة خطة دونالد ترامب الأخيرة لقطاع غزة، التي طُرحت منذ أواخر سبتمبر 2025 بوصفها مبادرة “للسلام وإعادة الإعمار”، بينما كانت في حقيقتها نصاً مفتوحاً على احتمالات متضاربة. فالخطة تحدثت عن وقفٍ للقتال، وتبادلٍ للرهائن، وإعادة إعمارٍ شامل، لكنها لم تضع جدولاً زمنياً واضحاً، ولا أجابت عن السؤال الأثقل: من سيحكم غزة بعد ذلك؟ أما الحديث عن الدولة الفلسطينية فغاب تماماً، تاركاً المجال لتفسيراتٍ فضفاضة تُرضي واشنطن وتُطمئن الاحتلال.
الغموض هنا لم يكن زلة صياغة، بل كان متعمداً. فترامب أعلن أن إسرائيل “لن تحتل غزة”، لكنه أضاف ببرود أن هناك “منطقة أمنية” لإسرائيل داخلها، وكأن الاحتلال يمكن أن يُعاد تسميته دون أن يتغيّر جوهره. بهذا الأسلوب حافظ على مساحة واسعة للمناورة؛ فلا التزم بانسحابٍ كامل، ولا أغضب إسرائيل التي تريد أن تبقى “مطمئنة أمنياً”، ولا قدّم للفلسطينيين سوى وعودٍ مغلّفة بلغة التنمية والازدهار.
قد يرى البعض في هذا النهج دهاءً سياسياً؛ فالغموض يخفف من حدة الرفض الأولي، ويمنح صاحب الخطة مسربا “تسويفيا” ذكياً أمام الإعلام والرأي العام، إذ يبدو كزعيم يسعى للسلام بينما يترك خيوط التنفيذ في يده وحده. كما أنه يمنح مرونة تكتيكية للتعامل مع تقلبات المشهد: إن فشل بند، يمكن إعادة تفسيره؛ وإن تغيّر الواقع، يمكن الادعاء بأن الخطة كانت “مرنة بما يكفي”.
لكن لهذه المرونة ثمناً باهظاً. فحين يُبنى السلام على الغموض، يصبح قابلا للانهيار مع أول اختبار. إذ يتيح الغموض للأطراف الأقوى، كإسرائيل، أن تماطل في التنفيذ أو تعيد تعريف البنود بما يخدم مصالحها، بينما يفقد الفلسطينيون الثقة في أي وعد يخرج من واشنطن. والأسوأ أن هذا النوع من الاتفاقات الملتبسة يرسّخ فكرة “السلام كإدارة أزمة”، لا كحلٍّ جذري لها. فبدلا من إنهاء الصراع، يُجمَّد تحت عناوين براقة: إعادة إعمار، أمن، استقرار.. كلها كلمات جميلة تخفي خلفها واقعاً معلّقاً لا هو حرب ولا هو سلام.
إن ما يقدّمه ترامب ليس “غموضاً خلّاقاً” بقدر ما هو إبهامٌ مُوجَّه، يُستخدم لإنتاج وهمٍ سياسي يمكن تسويقه إعلامياً، بينما تظلّ حقائق الأرض على حالها. فحين تُبنى الخطط على الغموض، تتآكل الثقة، ويغدو السلام أشبه بسرابٍ يلمع في الصحراء السياسية دون أن يُروِي عطشاً.
ومع كل ما يحيط بهذا الاتفاق من التباسٍ وتناقض وغموض مقصود، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل وقعت المقاومة الفلسطينية وهي تدرك كل ما بين السطور من فخاخ ومناورات سياسية، أم أنها رأت فيه الخيار الأقلّ ضرراً بين سلسلة من الخيارات المستحيلة؟ وهل تنطوي الموافقة عليه على حساباتٍ استراتيجية بعيدة المدى قد تمنحها مكسباً سياسياً مؤجلاً، أم أن ما جرى ليس سوى استراحة تكتيكية في حرب لم تُكتب نهايتها بعد؟



