ما هو القاتل الخفي الذي يفتك بالسودانيين؟!
ولماذا تزداد أعداد الموتى خارج السودان وفي الولايات الآمنة أكثر من أولائك الذين قتلتهم الحرب في مناطق القصف والتدوين ؟!
محمد الفاتح حضرة
منذ اندلاع حرب البرهان وحميدتي وجماعة الحركة الإسلامية وشركائها في 15 أبريل 2023، ظلت تزداد كل يوم أعداد الموتى بين السودانيين بوتيرةٍ مفزعة، ليس فقط في الداخل بسبب القصف والتدمير والنهب، بل أيضًا بين من نجا وفرَّ إلى المنافي والملاجيء ومعسكرات النزوح .
😓كثيرون من أهل السودان باتوا يرحلون في صمتٍ، بلا قذيفةٍ ولا رصاصة، وإنما بسبب ذلك القاتل الخفي الذي صار يسكن صدورنا جميعًا: الحُزن😢.
نعم، الحزن نفسه صار قاتلًا !!
فالأطباء وعلماء النفس يؤكدون أن الحزن الطويل والعميق يُحدث اضطرابًا في الجهاز العصبي، ويرفع ضغط الدم، ويُضعف المناعة، ويؤثر على القلب حتى يُصيبه بما يُعرف بـ “متلازمة القلب المنكسر”، وهي حالة قد تؤدي إلى الموت الفجائي.
ولعل هذا ما نراه اليوم في تزايد حالات الوفاة بين السودانيين داخل البلاد وخارجها — مرض مفاجيء يقهر الجسد ثم يعقبه رحيلٌ بلا تأريخ مرضي او سببٍ طبي واضح ، لكنه في جوهره يبقي إنهيار و موتٌ بسبب الحُزن.
الحزن حين يشتدّ، لا يقتل الجسد فحسب، بل يفتك بالروح أيضًا.
وقد تحدّث القرآن عن هذا الأثر العظيم في قصة يعقوب عليه السلام حين قال:
“وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ”
فقد بصره من شدّة حزنه على يوسف. ومع ذلك، حين تجلّت له بشارة النجاة، قال:
“إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ”
فاستعاد بصره كما استعاد الأمل.
كأن الله يقول لنا نحن السودانيين اليوم: لا تتركوا الحزن يقتلكم، فإن وراء كل ليلٍ فجر، ووراء كل دمعةٍ حياة.
وفي سنّة النبي ﷺ ورد الدعاء العظيم:
“اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحَزَن”،
فالحزن إذا سكن القلب استنزف صاحبه حتى الموت.
💔 في أجواء الحزن والحرب…
نمضي إلى وجعٍ لا يحدّه وصف. فها هو محجوب شريف الذي غنّى للحياة، وكأنه كان يرى رحيله وسط هذا الليل الطويل، يقول في قصيدته الخالدة:
“ما دايرين نعي لا دمع لا حزن
خلي البكاء للرياح والزمن
أنا لو مت ما تبكوا عليّ
غنوا للوطن…”
🛑الحزن والحسرة وخزلان الأقربين !!!
زاد الطين بلّة حين صدمتنا أثناء الحرب خيانة بعض الجيران الذين كنا نحسن الظنَّ بهم؛ سرقوا بيوتنا، وباعوا الأسر النازحة للمليشيات كأنهم تجار بشر!! 💔
ذلك الغدر وتلك الخيانة وحدهما كفيلا بأن يميّتا القلب حسرة، فكيف إن اجتمع معهما فقد الاحبة والدمار والاغتصاب والذل؟😓
بعد ان اعلن زعله من البرهان ومن حميدتي ، رحل الفنان الكبير محمد الأمين حزينًا على ما آل إليه حال السودان الذي تغنّى له بكل حب، ورحل الشاعر محمد المكي إبراهيم والفنان محمد الجزار، ذلك الصوت الشاب النقي الذي حمل ملامح جيلٍ كان يحلم بسودانٍ أجمل.
كما فقدنا الموسيقار حافظ عبدالرحمن، عازف الفلوت المرهف، الذي صمتت أنفاسه كما صمتت أنغام بلاده تحت القصف والدمار.
ووفقًا لتقارير إعلامية، فإن الحرب العبثية تسببت في وفاة العديد من نجوم المجتمع والمبدعين ورموز الثقافة، مثل الراحل الحاج عباس السيد، صاحب سلسلة مطاعم الفول الشهيرة في الخرطوم، التي كانت أحد معالم المدينة.
لقد ماتوا جميعًا بين قهرٍ ومرضٍ وحنينٍ، كما لو أن الحرب لم تكتفِ بتدمير الوطن، بل أرادت أن تقتل كل ما فيه من جمالٍ وذاكرةٍ وحلمٍ بالحياة.
😢وفي مشهدٍ آخر لا يُنسى، خرج الشاعر الكبير هاشم صديق من بيته في الخرطوم بعد أن داهمت الحرب كل شيء، محمولاً على عربة كارو، وهو ينظر خلفه إلى بيتٍ عاش فيه الشعر والمسرح والأمل. كان المشهد موجعًا كقصيدةٍ مكسورةٍ في آخر السطر، وكأن السودان كله قد رُكِب على تلك العربة وغادر تاريخه.
ولم يكن الموت بعيداً عن بيوت الشعر والفن أيضاً…
فقد لحقت رائدة المسرح السوداني آسيا عبدالماجد بزوجها الشاعر الكبير محمد الفيتوري، حين سقطت قذيفة غادرة على مكان عملها، فماتت حيث كانت تؤدي واجبها في خدمة المجتمع الذي أحبّته وأفنت عمرها في المسرح من أجله. وبعد أيامٍ قليلة فقط، لحق بها ابنها تاج الدين الذي شيّعها ودفنها بيديه، قبل أن تقتله القذائف نفسها. 💔
كانت مأساتهم صورة مكثّفة لوجع السودان كلّه، حيث يموت المبدعون بصمتٍ في زمنٍ صار فيه الخرابُ أكثر حضوراً من الحياة.
وكأن صدى كلمات الفيتوري القديمة يعود اليوم من بين الركام ليقول:
“أنا من إفريقيا صرخةُ الموتِ والبعثِ،
أنا الأرضُ والنهرُ والنخلُ والجرحُ والملحُ والريحُ…”
✊صوتٌ لا يموت، وشِعرٌ يذكّرنا أن المبدعين لا يرحلون حقاً، بل يتحوّلون إلى ذاكرةٍ تحفظ الوطن حين يضيع، وإلى وجدانٍ يقاوم النسيان.
😈🎻وفي المقابل…
بينما رحل الصادقون والمخلصون في صمتٍ نبيلٍ، خرجت من أوكارها أصوات الانحراف الفني؛ فئة من مغنّي الغناء الهابط الذين باعوا ضمائرهم للعسكر وجماعة الحركة الإسلامية، يرقصون على جراح الناس، ويمدحون القتلة في حفلاتٍ ممولةٍ من أموال الفساد وسرقة قوت الشعب.
أولئك الذين جعلوا من الفن تجارةً للدم، ومن الميكرفون منبرًا لتزييف الوعي — غنّوا للانتصارات الوهمية، وأشعلوا نار الفتنة مقابل حفنةٍ من المال والذل.
😓إن الحزن الجمعي الذي يعيشه الشعب السوداني اليوم لا يقل فتكًا عن القنابل والطائرات المسيرة، بل ربما كان أشد أثرًا، لأنه يقتل ببطءٍ وصمتٍ ووجعٍ لا يُرى بالعين.
ومع ذلك، علينا ألّا نستسلم له، بل نتمسك بالإيمان بأن الله لا يضيع أجر الصابرين، وأن من مات كمدًا على وطنه المكلوم، فموته شهادة من نوعٍ آخر — شهادة صدقٍ ووفاءٍ وانكسارٍ أمام ظلمٍ تجاوز كل حدود الإنسانية.
ورغم أن الموت يتهددنا جميعًا من شدة الحزن والفقد، فإني لا أخاف منه،
لأن الموت بابٌ إلى رحمة الله، ولقاءٌ مع من أحببناهم — لقاءٌ لا فراق بعده، ولا حزن، ولا دموع
#السودان #الحزن_القاتل #حرب_البرهان_وحميّدتي #الدعم_السريع #كيكل #الإسلاميون #السودان_ينزف #محجوب_شريف #هاشم_صديق #آسيا_عبدالماجد #محمد_الفيتوري



