نزار عثمان السمندل
“… و مافي فرق في الوقت الراهن
بين واشنطن والخرطوم
أنا مأزوم .. مأزوم .. مأزوم”: حُمّيد.
سلامٌ يبحث عن وطنٍ ضلّ طريقه؛ بين الخرطوم وواشنطن. وطنٌ ينهار كأنه لم يكن يوماً مهداً لنيل ولا منبعاً لحضارة. يفاوض على هدنةٍ إنسانية بثلاثة أشهر، فيما تتنازع فيه البنادق ذاكرة النيل ومصير الأرض.
في خلفية المشهد: جرت مفاوضات واشنطن وفشلت في البداية، أن تكتب جملة واحدة تتعلٍق بالأمل. قبل الاجتماع الرسمي، حاول الجيش أن يشتري الموقف بالذهب، أن يُغري أميركا بثروات الأرض وموانئ البحر الأحمر، مقابل أن تُغضّ الطرف عن كل الفظائع، بما فيها ما يسمى ب “الكيماوية”، وخصوصاً المسار السياسي المؤدي لحكمٍ مدني.
لكن واشنطن تجاهلت الإغراء كما يتجاهل القاضي رشوة متأخرة فات أوانها، وانحازت إلى البيان الذي أعاد تعريف المعركة بوصفها حرباً ضد الإنسانية لا صراعاً على السلطة.
الوفدان (الجيش والدعم السريع) دخلا القاعة وهما يحملان خيباتهما كسلاح.
الأول رفض التوقيع لأنه لا يريد أن يعترف بخصمه، والثاني قَبِِل الهدنة لكنه تشبّث بمسارين: عسكريّ مع الجيش، وسياسيّ يشدّد على الاعتراف بحالف “تأسيس”.
هكذا، ظلّ السلام مؤجَّلاً بين متاريس الكبرياء، كأن السودان كُتب عليه أن يختبر الهزيمة في كل محاولةٍ للنجاة.
على كل حال، بدا بيان الرباعية الأخير، الممهور بتوقيع العواصم (واشنطن والرياض والقاهرة وأبوظبي) كمن يحاول جمع ما تبقّى من خيوط السودان المتناثرة بين السماء والنار. فالكلمات جاءت كأنها وثيقة أخيرة تحاول إنقاذ وطنٍ تبتلعه حرب لا تعبأ بأرواح الناس ولا مستقبل البلد.
تحدث البيان عن السيادة، عن الأرض، عن وحدةٍ تُستنزف كل يوم في صراعٍ عبثي بين جيشٍ ومليشيا.. بين راياتٍ ترفع باسم الوطن وتُسقطه في الوحل.
أعلن وزراء خارجية الرباعية عن أن لا حلَّ عسكرياً للنزاع، وأن المعاناة بلغت حداً يجعل الإنسانية تتوارى خجلاً. دعوا إلى هدنة إنسانية تمتد ثلاثة أشهر، وانتقال مدني في تسعة. كأنهم يرسمون خطّاً في الرمل أمام إعصارٍ لا يعرف الرحمة.
ما يلفت في البيان ليس اللغة الدبلوماسية الملساء، بل الاعتراف الضمني أو الصريح، بأن السودان صار ساحة لتصفية الحسابات، وأن السلاح لا يأتي فقط من داخل حدوده. فالرباعية تُحمّل الدعم الخارجي مسؤولية تأجيج النار، وتلوّح بوقفه كشرطٍ لبداية الخلاص. إنها إشارة إلى أن الحرب لم تعد سودانية خالصة، بل مسرحاً تتقاطع فيه إرادات متضاربة تمتد من البحر الأحمر إلى المتوسط.
البيان يعيد التذكير بأن مستقبل الحكم يجب أن يقرّره السودانيون أنفسهم، لا الجنرالات ولا أمراء الميليشيا ولا المتحدثون باسم السماء. لكنه أيضاً يربط هذا المستقبل بإطارٍ محكومٍ بالمواقيت والرقابة الدولية.
وفي خلفية النص، ظلّ صدى جدة والقاهرة حاضرا؛ الأولى بوصفها منصّة للمفاوضات، والثانية كملاذٍ للقوى المدنية. وبين المدينتين، يطلّ الخراب من الخرطوم كأنه شاهد على فشل الجميع: من حملوا السلاح، ومن صمتوا، ومن اكتفوا بالبيانات.
يقدّم البيان نفسه بوصفه خريطة خلاص، لكنه في جوهره مرثية لبلدٍ أرهقه النزيف حتى بات السلام فيه يحتاج إلى رعاةٍ من كل القارات. ومع ذلك، تبقى في كلماته نغمة أملٍ خافتة: أن يتذكّر السودانيون، وسط هذا الركام، أن وطنهم لم يُخلق ليُحكم بالبندقية، بل ليُبنى بالوعي.
ربما يكون في البيان، مهما بدا متأخراً، بصيصٌ من رجاء يتشبث به المكلومون. يوحي بأن السلام ممكن، إن توقف تجار الدين، الذين ابتلانا الله بهم، عن بيع الموانئ والمقايضة بالوطن.
بالرباعية أو بغيرها: الخراب لن ينتصر ما دام حرّاس ثورة ديسمبر مصرّون على الخلاص. والسودان، مهما تهشّم، ما زال يستحق أن يُبنى بالوعي لا بالذهب، وبالإرادة لا بالصفقات.



