الأعمدة

عندما ينسحب الجيش ويبقى المواطنون وحدهم في مواجهة الجحيم”

#image_title

#image_title
كتب: معاوية أبوالريش
في الفاشر، تلك المدينة التي كانت يومًا نابضة بالحياة، يرزح اليوم آلاف المواطنين تحت وطأة كارثة إنسانية لا يمكن وصفها. بعد انسحاب القوات المسلحة السودانية من المدينة، دخلت قوات الدعم السريع لتمارس أبشع صور القتل والنهب والتنكيل بالمدنيين العزّل. أطفال يموتون جوعًا، ونساء تنتهك كرامتهن، ورجال يُقتلون أو يُساقون إلى الأسر، ومنازل تُنهب وتُحرق، وأحياء بأكملها تتحول إلى أطلال. المأساة ليست في الحرب ذاتها فحسب، بل في أن من كان يُفترض بهم حماية هؤلاء المواطنين قد تركوهم لمصيرهم المحتوم، لينسحبوا إلى مناطق آمنة بينما يواجه الأبرياء وحدهم نيران الانتقام والدمار.
الانسحاب الاستراتيجي أم التخلي عن المسؤولية؟
أيها الفريق البرهان، إن التقديرات العسكرية التي تتحدثون عنها والانسحابات التكتيكية التي تُبررونها بالضرورات الميدانية، يدفع ثمنها الباهظ المواطنون البسطاء الذين تُركوا عرضة لانتهاكات قوات الدعم السريع. مع كل انسحاب تقومون به بناءً على تقديراتكم الخاصة، وبحثًا عن ملاذ آمن لقواتكم، تدخل قوات الدعم السريع خلفكم لتعيث في الأرض فسادًا: قتلًا ونهبًا وسلبًا وإذلالًا وإهانة لكل من يقع في قبضتها.
ثم تعودون بعد ذلك، بعد أن يكون الموت قد حصد أرواح المئات، وبعد أن تكون الانتهاكات قد وقعت، وبعد أن يكون الدمار والخراب قد عمّ المكان، لتقلبوا الطاولة وتستعيدوا المدينة. لكن أي انتصار هذا الذي يُبنى على أشلاء المدنيين وأنقاض بيوتهم ودموع الأمهات الثكالى؟
واجب الحماية المُهدَر
إن مهمتكم الأساسية، والتي من أجلها تُخصص لكم أكثر من 80% من ميزانية الدولة السودانية، هي حماية المواطنين وحماية ممتلكاتهم ومؤسساتهم الخاصة والعامة. مهمتكم هي مهاجمة العدو ومواجهته، وليست الهروب والانسحاب إلى المناطق الآمنة تاركين المواطنين في مرمى النيران وتحت رحمة من لا يرحم.
ما حدث في الفاشر، وما يحدث في كل المناطق التي دخلتها قوات الدعم السريع دون مواجهة حقيقية من قبلكم، هو نمط متكرر ومُخزٍ. الأكثر إيلامًا أنكم تعودون بعد أن تنتهي قوات الدعم السريع من ارتكاب جرائمها، وفي كثير من الأحيان تمر هذه القوات نفسها من المناطق ذاتها دون مواجهة جدية منكم مرة أخرى.
استقبال الدمار بالدموع المكتومة
وبعد ذلك تأتي جولاتكم على أطلال الدمار والخراب، لتجدوا هناك قلة ناجية من المحرقة، مواطنين مغلوبين على أمرهم يستقبلونكم بما يُشبه الفرح المصطنع. لكن هذا الفرح ليس حقيقيًا، إنه نابع من خوف عميق من أن يُصنّفوا كمتعاونين مع العدو لمجرد أنهم بقوا في مدينتهم بعد انسحابكم إلى مكانكم الآمن. إنهم يخشون أن يُتهموا بالخيانة لأنهم لم يستطيعوا الهروب أو لأنهم اختاروا البقاء لحماية ما تبقى من بيوتهم وعائلاتهم.
الإصرار على الحسم العسكري: حسم لمن؟
أيها الفريق البرهان، أنتم مُصرّون على المواصلة في الحرب، وعلى ما تسمونه “الحسم العسكري”، لكن الحقيقة المُرّة هي أن الحسم الوحيد الذي يتحقق هو حسم المواطنين الأبرياء الذين يُسحقون بين سندان الحرب ومطرقة الانتهاكات.
الحسم الحقيقي الذي ينبغي أن تسعوا إليه هو حسم الحرب نفسها كخيار مدمّر للوطن والمواطن. الانتصار الحقيقي الذي يمثل الشعب السوداني هو أن تتجهوا جميعًا، كأطراف متقاتلة وكشركاء في جرائم هذه الحرب، نحو الحل السياسي التفاوضي.
الطريق إلى السلام: خطوات عملية لا مجرد شعارات
إن الخروج من هذه الكارثة يتطلب منكم خطوات عملية وجادة:
أولًا: البدء الفوري بتنفيذ هدنة إنسانية شاملة تسمح بإدخال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى المناطق المنكوبة.
ثانيًا: التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار تحت إشراف ومراقبة دولية.
ثالثًا: الاستعداد جميعًا، كأطراف حرب، للمساءلة وتحقيق العدالة، فلا يمكن بناء سلام دائم دون محاسبة مرتكبي الجرائم.
رابعًا: العمل على بناء جيش وطني قومي مهني واحد، بعيد عن السياسة والاقتصاد، يلتزم بمهامه الدستورية في حماية الوطن والمواطن.
خامسًا: ترك المجال للمدنيين لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي واستكمال مهام الثورة التي ضحى من أجلها الشعب السوداني بالكثير.
هذا هو الخيار الصحيح الذي فيه مصلحة الوطن والمواطن، وهذا هو المسار الوحيد الذي يضمن الأمن والأمان والاستقرار والحياة الكريمة والنهضة والتطور.
أسئلة تنتظر إجابات
وهنا تبرز أسئلة جوهرية تحتاج إلى إجابات واضحة وصريحة من القيادة العسكرية:
كيف انسحبتم من الفاشر طالما أن المدينة كانت محاصرة؟ أي طريق استخدمتموه للخروج؟
إذا كان هناك طريق للانسحاب، فلماذا لم يُستخدم هذا الطريق لإدخال المساعدات الإنسانية لأهل الفاشر المحاصرين لأكثر من ١٦ شهرا و الذين كانوا يموتون جوعًا؟
لماذا لم تُخبروا المواطنين المدنيين بالانسحاب، ولماذا لم تُوفروا لهم وسائل الخروج الآمن قبل أن تتركوهم لمصيرهم؟ الآن هناك قتلى، وهناك أسرى، وهناك مفقودون، كان يمكن إنقاذهم لو أُعطوا الفرصة للمغادرة معكم.
إن الشعب السوداني يستحق ما هو أفضل من هذه الحرب العبثية التي لا تُنتج سوى الموت والدمار. يستحق قيادة تضع مصلحته فوق كل اعتبار، وتدرك أن حماية المدنيين ليست خيارًا بل واجبًا مقدسًا. يستحق قادة يملكون الشجاعة للاعتراف بأن الحل العسكري قد فشل، وأن الطريق الوحيد للخروج من هذا النفق المظلم هو الحوار والتفاوض وبناء السلام.
الفاشر تنزف، والسودان ينزف، والشعب ينتظر قرارًا شجاعًا ينقذ ما تبقى من هذا الوطن الجريح.

زر الذهاب إلى الأعلى