الأعمدة

في المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب أو: هل يُعفى القائد بمحاكمة الجندي؟

كتب: دكتور كمال محمد الأمين
إن المرء ليعجب – أشد العجب – حين يُطرح عليه هذا السؤال، كأنما القانون الدولي والضمير الإنساني قد غابا عن الأذهان، أو كأنما العدالة قد أصبحت سلعة تُقسّم وتُوزّع، فيأخذ هذا نصيبه منها ويُعفى ذاك من حقها عليه!
والحق الذي لا مرية فيه، أن القبض على “أبولولو” – أو غيره من منفذي الجرائم المباشرين – لا يُسقط المسؤولية الجنائية عن القادة مثقال ذرة، بل إن المسؤوليتين – مسؤولية المنفذ ومسؤولية الآمر – تقومان جنبًا إلى جنب، مستقلتين متكاملتين، كما تقوم الشجرة على جذورها وفروعها معًا.
أولاً: في القانون الدولي الإنساني
ولنبدأ – كما يبدأ الباحث المنصف – بالنصوص القانونية التي لا تقبل التأويل ولا اللبس:
اتفاقيات جنيف (1949) والبروتوكولات الملحقة
تنص المادة الأولى المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع على أن:
“تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال” فالالتزام هنا مزدوج احترام شخصي، وضمان احترام الآخرين. والقائد الذي لا يمنع جنوده من ارتكاب الفظائع، أو يأمرهم بها، أو يعلم بها ولا يعاقبهم – هذا القائد قد خرق الاتفاقية بشخصه وبمن تحت يده.
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)
وهنا – نجد النص الذي لا يدع مجالاً للشك. تقول المادة 25 (مسؤولية الفرد):
“يكون الشخص مسؤولاً جنائياً ويكون عرضة للعقاب… إذا:
أمر بارتكاب جريمة
حرّض على ارتكابها
ساعد أو حثّ على ارتكابها
ساهم بأي طريقة في ارتكابها”
ثم تأتي المادة 28 (مسؤولية القادة والرؤساء) لتضع القاعدة الذهبية:
“يُسأل القائد العسكري جنائياً عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوه إذا:
علم أو كان يُفترض أن يعلم بأنهم يرتكبون تلك الجرائم
لم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو قمعها أو عرض الأمر على السلطات المختصة”
فانظر – رعاك الله – كيف أن القانون لم يشترط أن يكون القائد قد أمر مباشرة بالجريمة! بل يكفي أن يكون:
– عَلِم ولم يمنع
– أو كان يجب أن يعلم (أي كان متقاعساً عن واجب الإشراف)
وهذا ما يُسمى في الفقه القانوني بـ “مسؤولية القيادة” أو “مبدأ المسؤولية عن الإهمال القيادي”.
ثانياً: في السوابق القضائية الدولية
ولست – والله – أحدثك عن نظريات مجردة أو فلسفات معلقة في الهواء، بل عن أحكام قضائية صادرة ومنفذة سطّرها التاريخ بمداد من دماء الضحايا ودموع الثكالى:
محاكمات نورمبرغ (1945-1946)
حين وقف هيرمان غورينغ – القائد الثاني في الرايخ الثالث – أمام المحكمة، لم يشفع له أنه لم يقتل بيديه أحداً. ولم ينفعه أن يقول: “لم آمر شخصياً بكل عملية إعدام”.
حُكم عليه بالإعدام شنقاً ، لأنه:
– كان في موقع قيادي
– علم بالجرائم
– لم يمنعها بل سهّلها بقراراته
ولم يُكتف بمحاكمة أدولف أيخمان (منظم المحرقة)، بل حوكم أيضاً كارل دونيتز (قائد الأسطول) لأنه أصدر أوامر بعدم إنقاذ الغرقى من السفن المدنية!
محكمة يوغسلافيا السابقة
في قضية المدعي العام ضد راتكو ملاديتش (2017):
– ملاديتش كان قائد جيش صرب البوسنة
– لم يقتل بيده أحداً في مذبحة سربرينيتشا (8000 قتيل)
– لكنه خطط وأشرف وأمر
الحكم : السجن المؤبد عن:
– الإبادة الجماعية
– جرائم ضد الإنسانية
– انتهاكات قوانين الحرب
ولم يُعفَ من المسؤولية لأن جنوده هم من أطلقوا الرصاص!
المحكمة الخاصة بسيراليون
قضية تشارلز تايلور (رئيس ليبيريا السابق):
– لم يكن في سيراليون أصلاً!
– لم يُطلق رصاصة واحدة بنفسه
– لكنه موّل ودعم وساعد المتمردين الذين ارتكبوا الفظائع
الحكم (2012): 50 عاماً سجناً
والعبرة القائد يُسأل حتى لو لم يكن حاضراً في مسرح الجريمة!
ثالثاً: في المبدأ القانوني الأصيل
وهنا ندخل – أيها القارئ الكريم – في صميم الفلسفة القانونية:
أ) مبدأ “تعدد المسؤوليات”
الجريمة الواحدة يمكن أن يُسأل عنها:
1. الفاعل الأصلي (من أطلق الرصاص)
2. الشريك (من ساعده)
3. المحرّض (من حثّه)
4. الآمر (من أصدر الأمر)
5. القائد المهمل (من علم ولم يمنع)
وكل واحد من هؤلاء يُحاسب بقدر دوره. فليس القانون الجنائي كالمال الذي إذا أُخذ من واحد سقط عن الآخرين! بل هو كالعار الذي يلحق كل من شارك فيه.
ب) مبدأ “السلسلة القيادية”
الجيوش – كما تعلم – ليست عصابات فوضوية، بل هياكل منظمة ذات سلسلة أوامر:
– القائد الأعلى
– القادة الميدانيون
– الضباط
– الجنود
والمسؤولية تسري في هذه السلسلة صعوداً ونزولاً
– الجندي مسؤول عن فعله
– والضابط مسؤول عن جنوده
– والقائد الميداني مسؤول عن ضباطه
– والقائد الأعلى مسؤول عن الجميع
ج) الحكمة من مساءلة القادة
ولو سألت: لِمَ يُحاسب القائد وهو لم يقتل بيده؟
قلت لك: لأن القائد هو الأخطر!
– الجندي يقتل واحداً أو عشرة
– القائد بأمره يقتل ألفاً
– الجندي يرتكب جريمة في موقع
– القائد بسياسته يرتكب مئات الجرائم في مئات المواقع
فإذا أُعفي القائد من المسؤولية:
– انهارت العدالة: لأن الآمر أعظم جرماً من المأمور
– انعدم الردع لأن كل قائد سيأمر جنوده ثم يقول “أنا لم أفعل!”
– ضاعت الحقيقة: لأن القادة سيتخفون وراء المنفذين
رابعاً: في التطبيق على حالة الدعم السريع
والآن – وقد وضحت الأصول – فلنطبقها على الحالة المعروضة:
1. من هو “أبولولو”؟
هو – بحسب ما ذكرت – منفذ مباشر لمجازر. وبالتالي:
يُسأل جنائياً عن أفعاله الشخصية
– القبض عليه ومحاكمته واجب قانوني
– لكن مسؤوليته لا تلغي مسؤولية غيره
2. من هي قيادة الدعم السريع؟
القيادة – في أي تنظيم عسكري – هي:
– من يُصدر الأوامر التكتيكية والاستراتيجية
– من يُخطط للعمليات العسكرية
– من يُشرف على التنفيذ
– من يُعاقب أو يُكافئ المقاتلين
والسؤال المحوري: هل قيادة الدعم السريع:
– أمرت بارتكاب جرائم ضد المدنيين؟
– أو علمت بارتكاب مرؤوسيها لتلك الجرائم ولم تمنعهم؟
– أو كان يجب أن تعلم (لأن الجرائم واسعة ومتكررة ومنهجية)؟
إذا كان الجواب عن أي من هذه الأسئلة بـ “نعم”، فإن القيادة مسؤولة جنائياً بموجب:
– المادة 28 من نظام روما
– القانون الدولي العرفي
– مبدأ مسؤولية القيادة
كل هذا يُشير – قانونياً إلى أن الجرائم ليست أفعالاً فردية منعزلة ، بل يُحتمل بشدة أنها:
– منهجية (أي مخططة)
– أو مُتسامح معها (أي معلومة للقيادة وغير مُعاقَبة)
وفي كلتا الحالتين: القيادة مسؤولة
– خامساً: الجواب القاطع على السؤال
فإذا عدنا إلى سؤالك الأول:
“هل القبض على أبولو يُسقط المسؤولية عن قيادة الدعم السريع؟”
فالجواب – بلا تردد ولا مواربة – هو:
كلا، ثم كلا، ثم كلا!
لأن :
1. القانون الدولي لا يعرف مبدأ “البراءة بالوكالة”
– القبض على المنفذ لا يُعفي الآمر
– كما أن القبض على السارق لا يُعفي من حرّضه
2. المسؤولية الجنائية شخصية ومتعددة
– كل من ساهم في الجريمة يُسأل عنها
– بقدر دوره ومكانته وتأثيره
3.مسؤولية القيادة مستقلة
– القائد يُسأل عن إهماله حتى لو لم يأمر
– والقائد يُسأل عن أوامره حتى لو لم ينفذ
4. العدالة تقتضي محاسبة الجميع
– من أطلق الرصاص
– ومن أمره بإطلاقه
– ومن علم ولم يمنعه
– ومن خطط للعملية
– ومن سهّل تنفيذها
وإني لأختم بما قاله القاضي روبرت جاكسون في نورمبرغ:
“نحن لا نحاكم هؤلاء لأنهم خسروا الحرب، بل لأنهم أشعلوها بانتهاك كل قوانين الحرب والإنسانية. والقانون يجب أن يطال الجميع: من أطلق الرصاصة الأولى، ومن أمر بإطلاقها، ومن خطط لإطلاقها، ومن رأى إطلاقها ولم يمنعه.”
فليكن هذا هو الميزان: العدالة للجميع، والمحاسبة لكل مجرم، أياً كان موقعه في هرم القيادة.
والحمد لله الذي جعل العدل أساس الملك، والقانون حامي الضعيف من بطش القوي.
هذا المقال مستمد من أحكام قضائية حددت بشكل قاطع مسؤولية القادة عما يرتكبه منسوبيهم في الميدان حتي ولو لم يعلمون بها

زر الذهاب إلى الأعلى