ما جرى في الفاشر ليس مجرد جولة من جولات القتال بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، بل هو تحوّل استراتيجي كشف إلى أي مدى بلغت المعركة عمقها الوجودي، وإلى أي مدى حدث تأخر في قراءة طبيعتها. أكثر من مئتين وتسعين هجوماً متوحشاً صُدّت خلال شهور طويلة من الصمود المرير، لكنّها تركت وراءها رسالة واضحة: أن السودان يواجه حرباً ليست ضد ميليشيا متمرّدة فحسب، بل ضد تحالفات خارجية – إقليمية ودولية – تسعى لتفكيك الدولة وإعادة رسم خارطتها السياسية والعسكرية لأجل سرقة مواردها.
ولا بد من الإشادة بصمود قوات الجيش في الفاشر والقوات المساندة لها، الذين واجهوا موجات متتالية من الهجمات بشجاعة وانضباط رغم ضعف الإمداد، وربما انقطاعه الكامل في أوقات كثيرة. لقد قاتلوا بإيمان عميق بعدالة قضية الوطن وبإصرارٍ نادر على البقاء في خطوط النار دفاعاً عن الوطن، وسجّلوا صفحة من أنبل صفحات الشرف العسكري في تاريخ السودان الحديث. كان صمودهم أكثر من معركة، كان رسالة بأن الروح الوطنية أقوى من كل ما يُخطط له في الخارج.
صمود الفاشر رغم الحصار ومحاولات الاجتياح شكّل نقطة اختبار كبرى لقدرة الجيش السوداني على البقاء في معركة استنزاف طويلة، ولقدرة المجتمع المحلي على الصمود في وجه آلة عسكرية مدعومة من الخارج. لكن طول أمد المعركة وتكرار الهجمات كشفا في المقابل عن ثغرات خطيرة في إدارة القرار السياسي والعسكري، فبينما كانت القوات المسلحة تصد الهجمات وتدفع ثمناً باهظاً، ظلت القيادة غارقة في ردود الأفعال، دون أن تصوغ إرادة سياسية واضحة تؤطر الجهد العسكري ضمن رؤية وطنية شاملة توحّد الصف وتحدد الأهداف وتفتح مسارات التحالف العسكري والسياسي مع الدول الأخرى بصورة محسوبة ومدروسة.
ما يعانيه السودان اليوم ليس نقصاً في العتاد أو التمويل فحسب، بل غياب العقل السياسي القادر على إدارة حرب بهذا الحجم. المعركة لم تعد داخلية، بل أصبحت مواجهة مفتوحة تتداخل فيها أجهزة استخبارات إقليمية ودول بعيدة وقوى إمبريالية ترى في ضعف السودان فرصة لإعادة هندسة الإقليم. القيادة اليوم، رغم ما تبديه من ثبات ميداني، ما زالت تفكر بعقلية ردّ الفعل لا بعقلية التخطيط الشامل، تدير المعركة عسكرياً دون مظلة سياسية تحدد الأهداف الكبرى وتحوّل النصر الميداني والالتفاف الشعبي إلى مكسب وطني دائم.
وفي خضم هذا المشهد، أثارت تصريحات القيادي التركي يوسف كاتب أوغلو حول إمكانية تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان وتركيا اهتماماً واسعاً. غير أن قراءة الواقع تُظهر أن تلك الاتفاقيات، مهما كانت أهميتها الرمزية، ليست اتفاقيات تدخل تلقائي، ولا يمكن تفعيلها بقرار أحادي من طرف سوداني. فتركيا، التي تخوض حسابات دقيقة في البحر الأحمر والمنطقة، قد لا تغامر بتدخل مباشر دون قرار مؤسساتي كبير يوازن بين مصالحها وحساباتها الإقليمية. أقصى ما يمكن تصوره حالياً هو تعاون لوجستي أو استخباري أو تدريبي في إطار دعم غير مباشر، وليس تحالفاً عسكرياً شاملاً.
ويمكن هنا الإشارة إلى التجربة التركية في ليبيا إذ يمكن أخذ العبر منها لصالح السودان؛ فأنقرة نجحت هناك بتحويل تحالف سياسي وعسكري محدود إلى نفوذ فاعل عبر دعم حكومة طرابلس، توفير التدريب والإمداد، وإرسال مستشارين وخبراء عسكريين، دون الانخراط المباشر في القتال بشكل كامل. لكن نجاحها كان مدعوماً بعقل سياسي واضح من الطرف الليبي واستراتيجية محددة للتحالف، ما يفتقر إليه السودان حالياً. مقارنةً بذلك، أي محاولة للاعتماد على دعم تركي في السودان بدون قيادة وطنية موحدة وخطة سياسية واضحة قد تتحول إلى عبء بدلاً من أن تكون حلاً، وقد يفرض نفوذًا خارجيًا على السيادة دون أن يغيّر المعركة الجوهرية على الأرض.
أما خيار التحالف مع روسيا، فهو خيار ممكن من حيث الإمكانات لكنه محفوف بالتكلفة والمخاطر. موسكو تمتلك قدرات تسليح وخبرة واسعة في القارة الأفريقية، لكنها لا تقدم دعماً دون مقابل سياسي واستراتيجي ثقيل. روسيا تسعى منذ سنوات لموطئ قدم دائم على البحر الأحمر، وقد تطلب امتيازات طويلة الأمد في الموانئ أو الموارد مقابل دعمها. كما أن التجارب السابقة في دول أفريقية أخرى تشير إلى أن الدعم الروسي، وإن كان فعالاً ميدانياً، قد يجر معه نفوذاً موازياً داخل مؤسسات الدولة أو حضوراً لشركات أمنية خاصة يضعف من السيادة الوطنية.
هذه الحقائق تُظهر أن التحالف الخارجي ليس دواءً سحرياً. فالحرب لا تُدار بالأسلحة وحدها بل بالقرار السياسي المتماسك. التحالفات العسكرية قد توفر التدريب والسلاح، لكنها لا تصنع وحدة الداخل ولا تخلق مشروعاً وطنياً. السودان اليوم بحاجة إلى عقل سياسي يوحّد الصف المدني والعسكري، ويحوّل طاقة الصمود إلى خطة متكاملة تربط بين الميدان والدبلوماسية والسياسة. من دون ذلك ستظل الحرب تدور في حلقة استنزاف تُرهق الجيش والشعب معاً.
تعاظم الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع وظهور أسلحة متقدمة في ساحات القتال يفرضان على القيادة السودانية التفكير بخيارات جديدة لتعزيز القدرة الدفاعية، لكن أي تحالف لا بد أن يقوم على حساب دقيق للمصلحة الوطنية لا على رد فعل عاطفي. التحالفات الناجحة تبنى على توحيد الجبهة الداخلية أولاً، وتأسيس شرعية وطنية تُمكّن السودان من التفاوض مع أي شريك من موقع قوة. أما التحالف في ظل التشتت السياسي فسيكون انتقالاً من تبعية إلى أخرى.
إن ما حدث في الفاشر يجب أن يكون لحظة وعي جديدة. لقد أثبتت المدينة أن الصمود ممكن، لكن الانتصار الحقيقي يبدأ عندما تتحول تلك التضحيات إلى مشروع سياسي واضح يعيد تعريف المعركة بأنها معركة بقاء الدولة لا صراع على السلطة. السودان لا يحتاج إلى مزيد من السلاح بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية شجاعة تدير الحرب بعقل استراتيجي وتبني على بطولات الفاشر مشروعاً وطنياً جديداً. فالفاشر لم تدافع عن نفسها فقط، بل عن كرامة الدولة ووجودها. وإن كان سقوط المدينة خطراً على الأرض، فإن سقوط الإرادة أخطر، لأنه سقوط للوطن كله.



