دارت الحرب في بلادنا لنصف قرن، ولما جاءت اتفاقية نيفاشا في ٢٠٠٥، استمتع قادة الجيش والحركة الشعبية بالمناصب وتقاسموا السلطة
كمال كرار
الخيل تجقلب والشكر لي حماد
دارت الحرب في بلادنا لنصف قرن، ولما جاءت اتفاقية نيفاشا في ٢٠٠٥، استمتع قادة الجيش والحركة الشعبية بالمناصب وتقاسموا السلطة، البشير قائد الجيش الرئيس، ونائبه قرنق قائد الحركة الشعبية ومن بعده سلفاكير .. تلك حقيقة وتاريخ قريب ..
لكن خلال ال ٥٠ عاما .. قتل وجرح مئات الآلاف من الجنود على جانبي الحرب .. تركوا أرامل وأيتام .. وأغلبهم لم تعرف قبورهم، ولكن لم يتذكرهم أحد .. ولن ولم يضع أي قائد أو ضابط زهرة على قبر أحدهم .. ولا يدكرون بالخير أو الشر في الخطب الرنانة ..
يموت الجنود ليحيا القادة هذه هي إذن معادلة الحرب في بلادنا على الأقل .
وعلى أيام المخلوع البشير ياما شهدنا مواكب واحتجاجات للمعاقين الجنود .. من أصيبوا ولم يموتوا في الحروب لكنهم أهملوا .. وطردوا حتى من المستشفى العسكري، ولم يجدوا بدا سوى التظاهر بيد واحدة أو ساق واحدة وعلى الكراسي المتحركة .. فماذا حدث ؟ لم يأتيهم القادة معتذرين ،. ولم يواسوهم بكلمة .. بل هجمت عليهم القوات الأمنية وشرطة مكافحة الشغب وضربتهم بالرصاص الحي والبمبان بحجة أنهم مشاغبون ومعرقلون للحركة في كوبري النيل الأبيض ..
وهكذا فمن نجا من الموت من الجنود .. وأصيب فهذا شأن لا يعني القادة المشغولون بأمور أهم .
وتأتي احتفالات النصر .. والضباط والقادة يصطفون، ويعزف لهم السلام الجمهوري، ويمنحون أنواط الجدارة والنياشين، وهل وقف جندي واحد ذات يوم .. في هذه الصفوف أو منح نيشانا من الدرجة العاشرة نظير استبساله في الحرب ؟! كلا .. ولن يحدث .
وقريبا من هذا يستفيد آخرون من استمرار الحرب وموت الجنود، وشهدت حرب الجنوب تجارة الأخشاب والملح وسماسرة السلاح، تنتقل البضائع بطائرات الشحن العسكرية،من وإلى الجنوب .. يقبض البعض الثمن .. ويشتري المزارع.. ويبني القصور في حي المجاهدين ( الذين لم يجاهدوا ) .. وتنتظر أسر الجنود أبنائها الذين لن يعودوا أبدا .
وبينما كانت منظمات الحركة الاسلامية تنفق المال الوفير من ميزانية الدولة، على أسر أعضائها الذين قتلوا في الحروب .. كانت لا تصرف جنيها واحدا لأسرة جندي مقتول أو مصاب بسبب الحرب .
الآن والحرب مستمرة .. وموت الجنود مستمر .. هنا وهناك .. لا زالت المعادلة مستمرة .. القادة في صف المناصب والنياشين .. والجنود منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر .. لا أحد يذكرهم .
ومهما استطالت الحروب ومهما تفانى الجنود فيها، ومهما خرجوا بعد ذلك أحياء بالصدفة .. لا يقال لهم شكرا جزيلا .. لا يتم تعيينهم وزراء أو سفراء كما يحدث للقادة، لا يوفرون لهم درداقة من أجل العمل الكربم إن أصيبوا في الحرب ..
وفي معادلة الحرب كما قرأنا .. الجنود هم من يتقدمون الصفوف ويتلقون الضربة الأولى .. وهم من يتقدمون داخل حقول الألغام .. والقادة في الصفوف الخلفية، ومهمة الجنود حماية القادة، وضمان عدم وصول العدو لهم .. ولهذا يموتون بالجملة .. لكن يحيا القادة .. وتنتهي المعارك بالنصر أو الهزيمة والانسحاب .. والخيل تجقلب والشكر لي حماد ..
يا لها من معادلة عجيبة ؟!



