الأعمدة

توازن الضعف… للذين ينتظرون أو يتمنون حسما عسكريا لهذه الحرب، هل سمعتم بمصطلح “توازن الضعف”؟

علي الكبير
هو مصطلح سياسى يمكن تعريفه بأنها حالة يكون فيها طرفان أو أكثر غير قادرين على حسم الصراع لصالحهم لكنهم في الوقت ذاته يمنعون بعضهم من تحقيق إنتصار ساحق ليس بسبب توازن القوة، بل بسبب توازن الضعف والمخاطر المتبادلة. وتوازن الضعف يعتبر بديلا لتوازن القوة التقليدية حيث أن توازن الضعف لا يعتمد على من يمتلك القوة العسكرية الأكبر، بل على من يمكنه إلحاق ضرر كبير بالطرف الآخر إذا حاول الهجوم. إلى أي مدى ينطبق هذا التعريف على حالتنا الراهنة؟ خاصة إذا أخذنا في إعتبارنا:
= أن لجوء طرفا الحرب إلى الإستنفار وإستخدام المرتزقة إنما يؤشر إلى نضوب المخزون البشرى اللازم لهذه الحرب. (ونعنى بهذا القوة البشرية القابلة والمستعدة لخوض الحرب) وهذا العامل سوف يقود حتما إلى مزيد التدخلات الحارجية، وأيضا المافيات وعصابات الجريمة المنظمة. ثم إللجوء إلى خيارات تؤدى إلى التنازل عن أجزاء من ترابنا الوطنى تكون بمثابة أحصنة طروادية. كمنح القواعد أو حتى بدعوة أطراف خارجية للتدخل المباشر. ما يعنى تخليا عن سيادتنا وكرامتنا الوطنية. ثم إلى التدويل بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
= إن ما يجرى الآن من قبل الجيش لا يعدو كونه إعادة صياغة لتوازن الضعف وليس مؤشرا على الإنتصار المتوهم. إن وضع الجيش اليوم لهو أكثر ضعفا وضعضعة مما كان عليه إبان حرب الجنوب بعشرات المرات. ومع ذلك فهانحن نشهد أن القائمين عليه قد عادوا إلى نفس الأساليب التي إستخدموها في تلك الحرب. حتى أنهم إستدعوا نفس الأدبيات والهتافيات والشحن الدينى ومطاردة الناس في الأسواق والطرقات بقصد تجنيدهم وإلقائهم في المحرقة. لا بل فإننا بدأنا نشهد إصدارات حديثة لمغيبات العقول تتفوق حتى على إبداعات “إسحق غزالة”. إنه جيش يمثل سلطة فقدت كل مؤهلات بقائها وصارت عارية من أية قوة أو شرعية ولكنها بسبب ما إرتكبته من خراب مجتمعى فهى باقية فى رقدتها على صدور الناس بالقوة الخام ووسائل القمع فقط. وتمسك الجيش بخيار الحرب ليس قرارا وطنيا بقدرما هو إنعكاس لهيمنة الحركة الإسلامية على مراكز القرار وهى تساوم بالخراب على خلاصها.؟ وهى وجيشها سوف يظلون يهربون إلى الأمام ثم الأمام ما دامت تتوافر لهم حطب من المستغفلين ذوى القابلية العجيبة للإستخدام المتكرر.
= من جهة أخرى فإن كلا طرفى الصراع بديا غير قادران على إستلام كامل البلاد وتحويلها إلى سلطة معترف بها دوليا. خاصة بالنسبة للمليشيا التي تعوذها قدرة التحول إلى سلطة حقيقية نظرا لغياب المشروع السياسى والأيديولوجى الذى يشكل غطاءا لسلطتها. ومن المؤسف في هذا السياق أنها فقدت الكثير سياسيا نتيجة سلوكها في عديد المناطق التي إحتلتها سابقا ثم رسختها بإرتكاباتها الأخيرة في مدينة الفاشر. خاصة وأنها موسومة أصلا ببربريتها. وهى بدل أن تعمل على تنظيف تلك الصورة فقد إنتهجت العكس. من الجائز أن تكون الكثير من تلك الإرتكابات نتيجة تفلتات فردية ولكنها في كل حال أصبحت خصما من رصيدها وسوف تؤثر عليها كثيرا. السلطة الغشومة قد تدوم لبعض الوقت ولكن الواقع إن من يكسب إنسانيا هو من ينتصر ولو أخيرا فلا سيادة يمكن أن تقوم دون رضا الناس.
= لن يكون هناك حلا عسكريا لهذا الصراع وفى حال إستمر هذا الذهان والهستيريا فستمتد رقعة الموت ويستفحل الجوع والمرض والتشرد أكثر مما هو سائد. وستنفصل أجزاء أخرى من الوطن المجزأ بعد كل تلك الخسائر، تماما مثلا حدث سابقا بالنسبة لجنوبه. هذا إن لم نلجأ إلى توازنات أكثر ضعفا تكون أشبه بتوازنات الحواكير أو الكهوف أو الغابات. حيث تضع كل جماعة بصمتها الكيميائية على جذوع الأشجار كسلوك سيادى.
إن الذين يعدون الحرب خيارا لا بديل له إنما يغذون دائرة الدم على أمل أن تشفى أوتارهم ولو إضطرهم الزحف وراء الكاهن وهو يحفر بالإبرة. وختام القول: إن دغدغة المشاعر بالنصر لأى طرف لا يعدو كونها لعبة ثلاثة ورقات نموزجية.
ترى هل سيصحو الشعب السودانى ويقول بصوت واحد كفى إجراما وجنونا؟
على الكبير…

زر الذهاب إلى الأعلى