الأعمدة

كرة القدم في خطر.. عندما تتحول “الساحرة المستديرة” إلى أداة سياسية في يد إنفانتينو.

#روما، رضوان علي الحسن
لم يعد مقر الفيفا في زيورخ مجرد معقل لإدارة شؤون الساحرة المستديرة، بل تحول ببطء إلى منصة سياسية تتبارى فيها الأجندات وتتصارع المصالح. إعلان الاتحاد الدولي عن “جائزة الفيفا للسلام” في حفل قرعة مونديال 2026 بواشنطن، ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل تحول المؤسسة الرياضية الأقوى عالميا إلى دائرة مغلقة للترويج السياسي.
اللعبة لم تعد مجرد كرة قدم، فمن “قمة السلام” المثيرة للجدل حول غزة، إلى هذه الجائزة الجديدة، يشهد اتحاد الكرة تحولا جوهريا في هويته واستراتيجيته. الرئيس السويسري جياني إنفانتينو، الذي كان يفترض أن يكون حارسا للعبة العالمية، أصبح دبلوماسيا غير تقليدي يسير على حبل السياسة الدقيق.
التوقيت والمكان يفضحان الحكاية. إطلاق جائزة السلام قبل أيام من مشاركة إنفانتينو في منتدى الأعمال الأمريكي في ميامي، حيث جلس على المنصة نفسها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وليونيل ميسي، ليس محض صدفة. التكهنات التي تروج لترشيح ترامب للجائزة الأولى تزيد الشبهات عمقا.
الصورة أصبحت واضحة: إنفانتينو ينسج علاقة متينة مع ترامب، وربما تكون هذه الجائزة مجرد وسيلة لترضية الرئيس الأمريكي بعد خيبة أمل محتملة في نوبل للسلام. الكرة الطائرة السياسية بين الرجلين أصبحت أكثر وضوحا من أي وقت مضى.
المشاهدون المطلعون على خفايا كرة القدم العالمية يتساءلون: هل نحن أمام محاولة لتمهيد الطريق أمام المنتخب الأمريكي للفوز بكأس العالم 2026 على أرضه؟ السيناريو ليس مستبعدا في عالم أصبحت فيه الرياضة أداة طيعة في يد السياسة.
البيان الرسمي للفيفا الذي يتحدث عن “نشر الأمل في نفوس الأجيال المقبلة” يبدو جميلا في الصياغة، لكنه فارغ في المضمون. لو كان الهدف حقا هو السلام، فلماذا لا تبدأ المبادرات من مكاتب الفيفا في زيورخ؟ لماذا لا تكون الجوائز للاعبين الحقيقيين الذين كرسوا حياتهم للمصالحة الاجتماعية عبر كرة القدم؟
الحقيقة المرة هي أن كرة القدم تفقد براءتها يوما بعد يوم. الفيفا لم يعد اتحادا رياضيا بحتا، بل تحول إلى منظمة تخاطب الحكومات بلغتها، وتلعب نفس ألعابها. جائزة السلام الجديدة قد تكون مجرد ورقة توت لتغطية تحول جوهري في فلسفة الإدارة الحالية.
عشاق كرة القدم في كل مكان يتوقون لعودة اللعبة إلى جوهرها. يريدون اتحادا يدير الشؤون الرياضية بعيدا عن الأضواء السياسية، ويحافظ على الساحرة المستديرة بعيدة عن متناول الأجندات الخفية. فمتى يعود الفيفا إلى دوره الحقيقي قبل أن تتحول الملاعب إلى منصات للخطاب السياسي؟

زر الذهاب إلى الأعلى