الأعمدة

هذا الطاغية فعل في السودان ما لا تفعله أعتى الأعداء. إنه مجرم الحرب عمر حسن أحمد البشير ، الرجل الذي مزّق بلاده بيده،

هذا الطاغية فعل في السودان ما لا تفعله أعتى الأعداء.
إنه مجرم الحرب عمر حسن أحمد البشير ، الرجل الذي مزّق بلاده بيده، وكتب بدماء شعبه أشدّ فصول التاريخ السوداني سوادًا، وختمها بأن جاءنا بالبرهان وحميدتي.
قبل عام 1989، كان السودان يُعرف في إفريقيا والعالم العربي باسم «سلة غذاء العالم»، فمساحته الشاسعة التي تتجاوز مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع ك تضم النيل الأبيض والأزرق،وكثير من الأنهار العذبة والمياه الجوفية وتنتشر فيها الأراضي الخصبة من أعالي دارفور إلى سهول الجزيرة. كان السودان قادرًا على أن يُطعم نصف إفريقيا لو استُغلت ثرواته الزراعية والمائية كما ينبغي.
لكن المأساة بدأت مع دخول البلاد في صراع سياسي مرير انهك البلاد بعد 20 محاوله انقلاب منذ الاستقلال من بينها من فشل و آخر نجح ، بينما كان إخوان السودان يخططون ، فتمكن زعيمهم حسن الترابي من زرع عناصره في الجيش منذ الثمانينيات، حتى تمكّن من تحريكهم صباح الثلاثين من يونيو عام 1989 لتنفيذ انقلابٍ عسكريٍّ ضد حكومة الصادق المهدي. أعلن الجيش قيام ما سُمِّي بـ«ثورة الإنقاذ الوطني» تحت شعارٍ دينيٍّ براّق: هي لله، لا للسلطة ولا للجاه . اختار الترابي ضابطًا مغمورًا لا طموح له، ليسهل التحكم فيه، هو عمر البشير. بدأت السلطة باسم الشريعة، ولكن ما إن تمكّن البشير حتى انقلب كعادة العسكر على الترابي والإخوان معًا، وأقصاهم، ثم غرق في الفساد وأغرق البلاد بسياساته الرعناء.
خسر البشير الحرب الأهلية في الجنوب بعد أن أرسل آلاف الشباب إلى الموت في صراعٍ استمر سنواتٍ طويلة. انتهت تلك الحرب بانفصال جنوب السودان عام 2011، ففقدت البلاد أكثر من ثلث أراضيها و 70% من ثروتها النفطية. كانت تلك الضربة القاصمة لوحدة السودان، إذ خرجت من رحمه دولةٌ جديدة، ودماءٌ لا تزال تنزف إلى اليوم.
وفي عام 2003، اندلعت ثورة دارفور ضد التهميش والظلم، فردّ عليها البشير بيدٍ من حديد، عبر ميليشياتٍ عربية مجرمة سماها «الجنجويد»، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). كانت مهمتهم، كما أمرهم البشير، «سحق التمرد»، فحوّلوا دارفور إلى جحيم. قُرى أُحرقت، نساءٌ اغتُصبن، آبارٌ سُمّمت، ومدنٌ اختفت من الوجود. شر لمجرد الشر ، اجرام كلاسيكي بحت ، و ابا.دة جماعية مروعة في سبيل أن يبقى البشير في كرسيه ، تقدّر تقارير الأمم المتحدة أن ضحاياهم بلغوا نحو ثلاثة ملايين إنسان، منهم مئات الآلاف من القتلى. وفي عام 2009، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقالٍ ضد عمر البشير بتهمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، في سابقةٍ لم تحدث لرئيسٍ وهو على رأس الحكم.
في ظل حكمه، أصبحت السلطة غنيمة، والدين سلعة، والولاء للحزب طريق الرزق. انهار الاقتصاد، وتهاوى الجنيه السوداني، وهربت الكفاءات، بينما عاش البشير ورفاقه في القصور يُسبّحون باسم الدين على موائد الذهب. تحالف مع الغرب تارة، ومع إيران تارة، ومع الخليج تارة، وشارك في حرب اليمن طمعًا في المال، لا نصرةً لدين. وحين خرج الشعب في أبريل عام 2019 يهتف: تسقط بس! ، سقط الطاغية بعد ثلاثين عامًا من القهر، لكن الخراب الذي خلّفه لم يسقط معه.
قبل سقوطه ، أراد البشير حماية عرشه من الانقلابات، أنشأ قوةً من مجرمي الجنجويد موازيةً للجيش، أسماها «قوات الدعم السريع»، وجعل حميدتي قائدها. ظنّ أنه يحمي نفسه بيدٍ من حديد، فإذا به يصنع نارًا أكلت البلاد كلها. سقط البشير، لكنه ترك وراءه جيشين وسلاحين وحكومتين وبلدًا واحدًا ممزقًا في صراع حرسه القديم على الحكم . وما الحرب المشتعلة اليوم بين الجيش والدعم السريع إلا الابن الشرعي لنظام البشير، الذي بنى حكمه على الخداع والدم.
لقد استلم عمر البشير سودانا موحّدًا غنيًا، تجري في عروقه مياه النيل، وتغطي أرضه الخيرات، ويسكنه شعبٌ كريم متدين، ثم سلّمه جثةً مثخنةً بالجراح، منقسمةً بين الشمال والجنوب، منهوبة الثروات، يقتتل أبناؤها باسم السلطة. ذلك الطاغية لم يكن عدوًّا جاء من الخارج، بل كان عدوًّا خرج من بيننا، باسمنا، وبشعار الإسلام، ففعل في السودان ما لم تفعله أعتى جيوش الاحتلال، وهنا يكمن خطر الطغاة على بلاد الاسلام والمسلمين..
📚 المصادر
1. عبدالوهاب الأفندي، الثورة والإصلاح السياسي في السودان ، دار الساقي، لندن، 2012.

زر الذهاب إلى الأعلى