الأعمدة

موطئ قلم …ودقة…قلب ) قول أحبك

محمد برقاوي
لم يكن مفهومًا لدينا، ونحن صبية في بدايات المرحلة الابتدائية في ذلك الزمان، ما كنا نستمع إليه عبر مذياع القرية الوحيد، حين كان الفنان الشاب محمد وردي يشدو بأغنية تبدأ بعبارة: «لو بهمسة…». ولم نكن نستوعب معنى ذلك المطلع، لكن أكثر ما كان يحيرنا أن المطرب ظل يردد بإلحاح: «قول أحبك»؛ وهي صيغة أمر لا تخلو من الرجاء والتودد. لكن لمن؟ ولماذا؟ لم تكن عقولنا الصغيرة تدرك أن هذه الكلمة، إذا استجاب لها الطرف الآخر، قادرة على أن تصنع في القلب سحرًا، وتنشر في الحياة بساتين الفرح، وتزرع أزهار السعادة.
غير أننا كنا نصطدم بمشهد آخر يناقض كل ذلك. ففي طابور الصباح، كان المعلم يأمر أربعة من تلاميذ الصفوف العليا برفع أحد زملائنا من أطرافه الأربعة، بينما يتولى آخر شد ثوبه إلى أسفل، لتنهال عصا المعلم على جسده النحيل في مشهد مؤلم، وصاحبه يتلوى ويصرخ طلبًا للنجاة، دون جدوى.
أما جريرة ذلك التلميذ المسكين، فلم تكن سوى أن أحد زملائه اشتكى للمعلم بأنه قال له: «أحبك».
كانت أعيننا ترتجف مع وقع الضربات، وآذاننا تكاد يصمها الخوف، والمعلم يردد عبارات التقريع، ويصف ذلك السلوك بأنه منتهى قلة الأدب وسوء التربية.
وفي الوقت نفسه، كانت تتردد في مخيلتنا نغمات محمد وردي، وهو يترجم كلمات إسماعيل حسن، متوسلًا محبوبته أن تهمس له بعبارة: «أحبك»… الكلمة نفسها التي كانت سببًا في أن يلهب ظهر زميلنا بسياط العقاب.
دارت الأيام، وكبرنا، واتسعت دوائر أحلامنا، وانداحت مشاعرنا بحثًا عن ذلك الحب الذي ارتبط في طفولتنا بالألم والخوف. وظلت الأسئلة تتصارع في داخلنا: كيف تحول خوفنا من سماع تلك الكلمة إلى شغف بأن نسمعها في سنوات المراهقة من زميلات الدراسة، في خطاب بريء، أو في نظرة عابرة تختزن لهفة البدايات؟
وتساءلنا: ألم يكن بمقدور معلمينا، وهم أصحاب رسالة التربية، أن يشرحوا لنا المعنى النبيل لكلمة «أحبك»؟ وأن يبينوا لنا أنها لا تمت بصلة إلى الألفاظ السوقية أو السلوكيات المنحرفة التي كانوا يخشونها، وأن الحب قيمة إنسانية سامية، لا نقيصة تستوجب العقاب؟
سامحهم الله… فقد كانوا آباءً لنا قبل أن يكونوا معلمين، لا ننكر فضلهم في تربيتنا، وإن كانت تحكمهم عقلية زمانهم، بما فيها من تسلط وحرص في آن واحد، وخوف من موجات انحراف كانوا يتوهمون اقترابها.
ورحم الله إسماعيل حسن ومحمد وردي، فقد ظل نداؤهما الخالد: «قول أحبك… ولو بهمسة»، يرافقنا حتى اليوم. لكن الزمن تبدل، وأصبحت كلمة الحب تتردد عبر كل الوسائط الحديثة شعرًا ونثرًا، ولحنًا وصوتًا وصورة، دون خوف من عقاب أو رهبة من طابور الصباح.
ويبقى ما نرجوه دائمًا أن يكون الحب صادقًا، نقيًا، لا ادعاء فيه ولا نفاق، حتى تظل قيم المجتمع الجميلة حارسة له، وتعاقب الزيف لا الحب، في طابور الأخلاق النبيلة، وبعصا القيم الأصيلة.
ولنظل نردد مع ذلك النداء الجميل:
قول أحبك… ولو بهمسة.

زر الذهاب إلى الأعلى