
محمد الفاتح حضرة
📜في هذا المنشور لا نستدعي سيرة الصحابيّ جرير بن عبد الله رضي الله عنه لنحكي قصة من الماضي فحسب، وإنما لنستحضر موقفًا من مواقف الصحابة في زمن الفتنة، حين أصبح المسلم في مواجهة المسلم، ونضعه أمام واقعنا السوداني اليوم، حيث تحولت الخصومة على السلطة بين طرفين عسكريين إلى حرب مدمرة يدفع الشعب السوداني كله ثمنها.
الفرق كبير بين فتنة الصحابة وبين صراع السلطة في السودان؛ فلا مجال البتة للمقارنة بين أولئك الصحابة الكرام وبين طرفي الحرب عندنا.
لكن يبقى موقف اعتزال الفتنة وحقن الدماء ورفض أن يكون الإنسان وقودًا لصراع الآخرين درسًا جديرًا بأن نتأمله.
كان جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه من سادات قومه، ومن أجمل الصحابة وأحسنهم هيئة، حتى قال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«جرير يوسف هذه الأمة».
وكان النبي ﷺ يكرمه، وقال عنه:
«يطلع عليكم من هذا الباب رجل من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك».
وكان جرير يقول:
«ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم في وجهي».
وأسلم جرير، وحسن إسلامه، وبايع رسول الله ﷺ على الصلاة والزكاة والنصح لكل مسلم.
وكان من مواقفه المشهورة أن النبي ﷺ أرسله إلى ذي الخَلَصة، وهو موضع كان فيه صنم يُعبد في الجاهلية، فخرج جرير في قومه وهدمه وأحرقه، ودعا له النبي ﷺ:
«اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا».
ثم مضت حياة جرير، فكان فارسًا وقائدًا، وشارك في الفتوحات، وكان له شأن ومكانة بين قومه.
لكن الذي يستوقفني في سيرته اليوم ليس جماله، ولا فروسيته، ولا ما شارك فيه من الفتوحات…
بل موقفه حين جاءت الفتنة الكبرى، وانقسم المسلمون، وأصبح السيف مرفوعًا في وجه المسلم.
بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وقعت وقعة الجمل بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من جهة، والسيدة عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم من جهة أخرى، ثم جاءت وقعة صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
ولا أريد هنا أن أخوض في تفاصيل تلك الفتنة، ولا أن أنصب نفسي قاضيًا على الصحابة؛ فقد كانوا بشرًا اجتهدوا في واحدة من أشد الفتن التي مرت بالأمة، والله وحده أعلم بحقائق ما جرى وبسرائر الرجال..
🧐🫵لكن الذي يعنيني هو موقف من اختاروا ألا يحملوا السيف في هذه الفتنة.
فقد اعتزل القتال عدد من كبار الصحابة، ومنهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد وغيرهم رضي الله عنهم.
وكان جرير نفسه قد أرسله علي رضي الله عنه إلى معاوية رضي الله عنه، رسولًا يدعوه إلى البيعة ويحاول الوصول إلى مخرج يحقن دماء المسلمين.
لم يذهب جرير مقاتلًا…
ذهب رسولًا.
ثم لما تعقدت الأمور، ولم تنجح السفارة، اختار جرير في نهاية الأمر اعتزال الفريقين، وابتعد عن ذلك الصراع..
🧐🫵وهنا..
أجد نفسي أمام سؤال كبير:
هل كان هؤلاء الصحابة(لاسمح الله)جبناء؟
هل كان إعتزالهم للقتال تخاذلاً؟
🫵أم أنهم قد أدركوا أن هنالك لحظات يصبح فيها الابتعاد عن الدماء هو عين الحكمة ‼️
وهنا ينبغي علينا أن نتوقف لحظة قبل أن نقارن بين تلك الفتنة وبين حرب الجنرالين في السودان..
فلا مجال البتة، ولا البتة، للمقارنة بين ساداتنا علي ومعاوية وعائشة رضي الله عنهم وبين الفريقين اللذين أشعلا حرب السودان.
أولئك صحابة رسول الله ﷺ، عاشوا معه، وآمنوا به، وجاهدوا معه، وحملوا الإسلام إلى الناس، وشهد لهم القرآن والسنة بالفضل.
أما طرفا الحرب السودانية، فشيء آخر تماماً..
عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو «حميدتي» ليسا علياً ولا معاوية، ولا يجوز بحال أن نضعهما في ميزان مع أولئك الصحابة الكرام.
بل إن تاريخ الرجلين السياسي والعسكري لا يسمح بهذه المقارنة من الأساس..
فكلاهما كان شريكًا في السلطة، وكلاهما كان جزءاً من المنظومة التي قوَّضت النظام الدستوري وأستولت على السلطة بقوة السلاح، ثم انتهى بهما الصراع على السلطة إلى الحرب التي يدفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وبيوته وأرضه ومستقبله.
بل إن المفارقة المؤلمة أن بعض الذين كانوا من أقرب الناس إلى أحد طرفي الحرب، أو ممن صنعوا هذا الواقع العسكري والسياسي، أصبحوا هم أنفسهم يطعنون في أخلاق الطرف الذي كانوا قد ساندوه بالأمس وذلك الذي يساندونه اليوم .
ولعل السودانيين جميعاً يذكرون ما صدر عن الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف، أحد أبرز رموز التيار الإسلامي، من هجوم شديد على الجنرال البرهان، وإتهامه بأنه «لا دين له» ولا أخلاق ولا عهد، ووضعه في موضع واحد مع حميدتي في بعض حديثه.
ثم جاء رد البرهان فوصف عبد الحي يوسف بأنه «ضلالي» و«تكفيري».
ولا أريد هنا أن أحكم على دين أحد الرجلين أو أخلاقه في ميزان الله؛ فهذا أمر لا يعلمه إلا الله..
لكنني أستحضر هذه الواقعة لشيء واحد:
🫵هذه هي طبيعة السجال الأخلاقي والديني الذي يدور بين أطراف الصراع ومناصريهم ‼️
فكيف بالله عليكم نضع هؤلاء في ميزان علي ومعاوية رضي الله عنهما؟!
وكيف نحول صراع رجلين على السلطة والحكم إلى فتنة دينية كبرى، ثم نطلب من السودانيين أن يقتل بعضهم بعضًا بإسم وتحت راية أحد الجنرالين ؟!
كيف استطاع رجلان كانا بالأمس شريكين في الحكم، وشريكين في إرتكاب جريمة تقويض المسار الدستوري، أن يشقا صف الشعب السوداني بهذه الصورة، وأن يجعلا أبناء الوطن الواحد يقتلون بعضهم بعضًا؟!
كيف نجحا في تحويل خلافهما على السلطة إلى حرب أهلية سودانية شاملة؟!
هنا أقول:
كان أقلَّ ما يجب على الشعب السوداني أن يفعله هو إعتزال هذه الفتنة.
كان يجب ألا يكون الشعب السوداني وقوداً لحرب بين جنرالين.
كان يجب ألا يموت شاب سوداني دفاعاً عن كرسي هذا الرجل أو طموح ذاك الرجل.
كان ينبغي أن يقول السودانيون:
لن نقتل بعضنا من أجل أحد.
لن نحرق وطننا من أجل أحد.
لن نموت من أجل سلطة أحد.
أما الواجب الحقيقي، فكان أكبر من مجرد الاعتزال..
كان الواجب أن تُحل الخلافات السياسية والدستورية بالقانون والمؤسسات العدلية والقضائية ، وأن يُحاسب كل من إرتكب جريمة تقويض النظام الدستوري أو الاستيلاء على السلطة بالقوة، أيا كان موقعه، وأيا كان سلاحه، وأيا كان الطرف الذي ينتمي إليه.
البديل عن الحرب ليس انتصار أحد الجنرالين على الآخر..
والحل ليس أن ينتصر الجيش على الدعم السريع، أو أن ينتصر الدعم السريع على الجيش..
🫵الحل أن ينتصر الشعب السوداني على منطق الحرب نفسه.
وأن تنتصر دولة القانون على منطق القوة.
وأن يصبح السلاح في يد الدولة، لا وسيلة للصراع على الدولة.
وهنا تعود بي سيرة جرير بن عبد الله رضي الله عنه إلى بدايتها:
كان جرير فارساً، ولم يكن عاجزاً عن حمل السيف.
وكان قائداً، ولم يكن جباناً.
وكان صاحب مكانة، ولم يكن ضعيفًا..
ولكنه عندما رأى الفتنة، عرف أن ليس كل قتال بطولة، وليس كل إعتزال جبناً .
أحيانًا يكون أشجع وأشرف موقف يمكن أن يتخذه الإنسان هو أن يقول:
لن أقتل أخي من أجل رجل.
ولعل هذه هي الحكمة التي كان أهل السودان في أمسّ الحاجة إليها:
كان علينا أن نعتزل الفتنة قبل أن تبتلعنا جميعاً.
فما أحوجنا اليوم إلى جرير…
لا ليحمل لنا سيفًا،
بل ليعلمنا متى نضع السيف جانباً..
«لن أقتل أخي من أجل رجل.»



