خالد كودي، بوسطن
من أين يأتي الخوف؟ السودان الجديد لا يستهدف الشمال بل يستهدف الهيمنة- فمن اين اتي الخوف!؟
في المقال الذي كتبه الأستاذ عوض أبو شعرة، علي شبكة ايمان الاخبارية يقدّم عدة أطروحات رئيسية يمكن تلخيصها كما يلي:
– اتهام تحالف تأسيس بأنه يحمل خطاباً عنصرياً وجهوياً موجهاً ضد الشماليين عموماً.
– القول إن مشروع السودان الجديد يستبدل دولة الهيمنة القديمة بهيمنة معكوسة تقوم على التصفية أو الإقصاء المضاد.
– الربط بين الدعم السريع وتحالف تأسيس بوصفهما مشروعاً واحداً، مع تحميلهما مسؤولية انتهاكات الحرب
– الافتراض بأن نُخب تأسيس تحرّض ضد قبائل بعينها (مثل الشايقية والجعليين)، على أساس خطاب متداول في وسائط التواصل لا في الوثائق، مستدلا بافراد قد ينتموا الي بعض الحواضن الاجتماعية للدعم السريع او للهامش!
– لكن هذه الاتهامات، رغم أنها تعكس مخاوف سياسية انطباعية حول مستقبل الدولة، لا تقوم على قراءة موضوعية أو دقيقة للوثائق المؤسسة لتحالف تأسيس، ولا علي اقوال ومواقف دستورييي تاسيس ولا على فهم لطبيعة مشروع السودان الجديد.
فالطرح يخلط بين:
– خطاب أفراد لا يمثلون التحالف دستورياً
– والنصوص الملزمة التي يقوم عليها المشروع
وبذلك يُبنى الحكم على الانطباعات والعبارات المتفلتة، لا على الدستور والميثاق والمبادئ فوق الدستورية، التي تُجرّم بوضوح أي خطاب عنصري أو جهوي، وتؤسّس لمشروع دولة قائمة على المواطنة والمساواة والعدالة التاريخية — وليس على الانتقام أو الإقصاء، ولنناقش معه هذا:
أولاً: تحالف تأسيس محكوم بوثائقه لا بخطابات الأفراد أيا كانوا:
أي خطاب تمييزي أو تحريضي يصدر عن أي شخص لا يُحمّل “تأسيس” مسؤوليته، ما لم يكن منصوصاً عليه في الميثاق أو الدستور الانتقالي أو المبادئ فوق الدستورية.
التحالف نفسه أقرّ في أدبياته، وفي مواد وثائقه الأساسية، أنّه ليس حركة “ثأر جغرافي” بل مشروع دولة ديمقراطية تقوم على:
المواطنة، والمساواة، وتجريم التمييز، وضمان وحدة البلاد على أسس جديدة.
ما ورد في المبادئ العامة من ميثاق تأسيس صريح في هذا الشأن الفقرة الثامنة:
“المواطنة المتساوية ﻫﻲ أساس الحقوق والواجبات الدستورية دون أدﻨﻰ ﺘمییز ﻋﻠﻰ أساس ديني، أو
لغوي، أو جهوي، أو بسبب اﻟوﻀﻊ اﻻجتماعي أو اﻻﻗتصادي أو اﻹﻋﺎﻗﺔ أو أي شكل من اشكال التمييز”
وهذا يعني أن كل خطاب يصدر عن أفراد — سواء منسوبين للتحالف أو مؤيدين له — ولا يتوافق مع هذه المبادئ، هو خطاب شخصي ولا يلزم المشروع
ثانياً: مشروع تأسيس وحكومتها ليس موجهاً ضد “الشماليين” أو أي مكوّن سوداني، فالكثير من الشماليين أعضاء مؤسسين لهذا المشروع، انما مشروع تأسيس موجهاً ضد الدولة المركزية وهيكل الامتياز:
إن خطاب السودان الجديد لا يتعامل مع سكان الشمال بوصفهم كتلة واحدة متورطة في الظلم التاريخي، ولا يحملهم مسؤولية جماعية عن ممارسات الدولة، بل يميّز بوضوح بين النظام السياسي المركزي الذي رسّخ الامتيازات وبنى منظومة الهيمنة منذ 1956، وبين المجتمعات التي وُلدت في داخله دون اختيار، ودون مسؤولية مباشرة عن بنائه أو جرائمه.
تقول أدبيات السودان الجديد وتحالف “تأسيس” بوضوح:
المساءلة تُوجَّه إلى النظام السياسي وأجهزته، لا إلى المجموعات الدينية، الإثنية أو الجهوية.
وبذلك، يسقط تماماً الادعاء القائل بأن “تأسيس” يسعى للانتقام من “الشايقية أو الجعليين” أو أي جماعة اثنية أخرى.
وكل من يروّج لخطاب يستهدف جماعة بعينها بناءً على انتمائها الجغرافي أو الإثني او الديني، إنما يتحمّل مسؤولية موقفه فردياً، ولا يمثل مشروع السودان الجديد، ولا يعكس أي بند من ميثاقه أو دستوره او أي من ادبياته.
وفي هذا السياق تكتسب مقولة نعوم تشومسكي دلالة عميقة:
“أنت مسؤول عن النتائج المتوقعة لأفعالك”
You are responsible for the predictable consequences of your actions.
بهذا المعنى، لا يُدان الإنسان على هويته، بل على خياراته السياسية والأخلاقية.
ولا يُدان مجتمع لأنه وُلد داخل مركز السلطة، بل يُدان النظام الذي منح الامتيازات وعمّق الإقصاء.
السودان الجديد ضد البنية الظالمة!
ثالثاً: نقد النخب المتحالفة مع الدولة القديمة لا يعني استهداف شعوبها، وليكن هذا مفهوما.
الخلط بين نقد النخب السياسية التي شكّلت نظام الهيمنة منذ 1956 وبين استهداف السكان هو خلط غير علمي.
السودان الجديد يناقش بنية السلطة لا أصل المواطنين، فكما أنّه ينتقد جبريل إبراهيم وياسر العطا ومناوي وأي قائد متورط في إعادة إنتاج الدولة القديمة، فهو ينتقد في الوقت ذاته علي عثمان ونافع وقوش والبشير،
ليس لأنهم ينتمون لقبيلة بعينها، بل لأنهم ركائز دولة الإقصاء.
رابعاً: “الإبادة” و”التصفية” ادعاءات بلا سند:
سرد فكرة أنّ قبائل محددة “مطلوبة للإبادة” لا يستند إلى وثيقة واحدة صادرة عن التحالف، ولا إلى خطاب رسمي واحد،
بل إن الدستور الانتقالي نفسه بني على:
التزام الدولة بضمان عدم الإفلات من العقاب ومحاسبة أي جهة أو قوة ترتكب انتهاكات، بغض النظر عن موقعها أو انتمائها
وهذا يشمل قوات الدعم السريع والحركة الشعبية وكل مكونات تحالف تأسيس دون استثناء.
خامساً: مشروع السودان الجديد مشروع وحدوي لا تفتيتي:
الميثاق يؤكد أنّ السودان الجديد ليس مشروع تفكيكٍ جغرافي، بل تفكيكٍ بنيوي لبنية دولة الهيمنة.
“السودان الجديد مشروع وحدوي طوعيا، يقوم على العدالة التاريخية والاعتراف المتبادل، ويهدف إلى إنهاء أسباب الحرب لا إلى خلق صراعات جديدة” ….
وبذلك فإن “تأسيس” لا يسعى إلى تقسيم السودان، بل إلى إعادة بنائه على أساس جديد.
سادساً: بشأن الانتهاكات أثناء الحرب — موقف تأسيس القانوني والأخلاقي:
لا ينكر منسوبي مشروع السودان الجديد وتحالف تأسيس ولا أي عاقل أن انتهاكات خطيرة تقع، وقد وقعت خلال الحرب في السودان، وهذا الاقرار موقف يختلف جذرياً عن خطاب الدولة القديمة التي كانت تشرعن العنف وتغطيه عبر مؤسساتها وأجهزتها الأمنية والقانونية.
لكن جوهر المفارقة واضح ومحدّد:
١/ الدولة المركزية القديمة:
كانت ولاتزال تمنح الحصانة، وتُسخّر القانون لحماية الجناة، وتستخدم أجهزة الدولة لتبرير العنف الممنهج.
٢/ تحالف تأسيس – وفق ميثاقه ودستوره:
يتبني صراحة:
نزع الحصانات عن كل مرتكب انتهاكات وخضوع كل من يثبت تورطه في الجرائم للقانون، مهما كان موقعه أو انتماؤه.
وبذلك يتبيّن الفرق الجوهري:
هناك مشروعٌ بُني على هندسة العنف وحمايته —
ومشروعٌ آخر منفتح ويُخضع نفسه مسبقاً للمساءلة والمحاسبة.
وهذا ليس تفصيلاً إجرائياً، بل إعلانٌ دستوري وأخلاقي بأن السودان الجديد لا يمكن أن يُقام فوق الإفلات من العقاب، ولا عبر إعادة إنتاج الممارسات التي ثار الشعب ضدها.
أخيرا:
إن مشروع تحالف “تأسيس”، وفقاً لنصوص ميثاقه ودستوره، ومواقف دستورييه لا يقوم على الانتقام ولا على استبدال هيمنة بهيمنة جديدة يا أستاذ عوض أبو شعره.
تأسيس، مشروع جذري – نعم – لكنه جذري في بنيته الدستورية، لا في ثأريته
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن بعض النخب السودانية تشعر بالخوف من هذا المشروع.
والسبب في ذلك ليس نصوص “تأسيس” وحسب – فهي نصوص معلنة وواضحة – بل السبب هو الإرث التاريخي الذي تعيشه هذه النخب داخل لاوعي جمعي بُني على الهيمنة دون مساءلة، ومن هنا يأتي الارتباك.
فعلى مدى عقود، عاشت قطاعات واسعة من مجتمع الهامش انتهاكات مادية ورمزية متواصلة:
مصادرة الأرض، الإقصاء السياسي، الاستعلاء الثقافي، وجرائم حرب وتهجير منظم.
وفي المقابل، لم تواجه النخب المركزية مساءلة حقيقية، لا قانونياً ولا أخلاقياً.
لذلك، ينشأ في العقل السياسي التقليدي افتراض نفسي خطير مفاده:
“إذا حصل المهمَّشون على السلطة، سيعاملوننا بما عاملناهم به”
وهذا – في جوهره – إسقاط سيكولوجي لا دليل عليه، لكنه يكشف ما قاله فرانتز فانون عن “الخوف من العدالة لأنه اعتراف ضمني بالجريمة”!
الحقيقة أن مشروع السودان الجديد لا يقوم على المعاملة بالمثل، بل على العدالة التاريخية، أي:
– محاسبة من ارتكب الجريمة لا من ينتمي إثنياً إلى مرتكبيها
– تفكيك الدولة المركزية لا تفكيك المجتمعات التي عاشت داخلها
– بناء مواطنة متساوية لا إعادة انتاج الهرمية بالمقلوب
ولذلك، فإن أي خطاب عنصري أو جهوي يصدر عن أفراد، مهما كانوا، يبقى مسؤوليتهم الشخصية ما لم ينطق به النص التأسيسي أو الدستور، او دستوريي تحالف تأسيس وحكومتها.
وكما أن الدولة الجديدة لا تبرئ المجرمين بحكم قبيلتهم، فإنها أيضاً لا تدين الأبرياء بحكم شجرتهم العائلية، وليكن هذا مفهوما!
ومن هنا نقول، إن الادعاء بأن “تأسيس يعادي الشماليين” ليس تحليلاً سياسياً، بل امتدادٌ لوعي الدولة القديمة التي اختزلت السياسة في عصبيات إثنية مشوشة.
فالمشروع لا يهدم مجتمعاً، بل يهدم هيكل الإقصاء الذي حكم الجميع.
والنقد الموضوعي مطلوب وضروري، لكنه لا يصبح بناءً إلا إذا استند إلى الوثيقة والدليل، لا إلى الظنون والانطباعات.
السودان الجديد مشروع لكل من يؤمن بالمواطنة المتساوية، مساءلة السلطة، وتجاوز دولة 1956 – مهما كان أصله أو موقعه الجغرافي.
إنه – بنصوصه ومبادئه – مشروع دولة قانون، لا مشروع ثأر.
النضال مستمر والنصر اكيد.



