الأعمدة

البرهان والعقل الرعوي

للمفكر والباحث السوداني دكتور النور حمد سفر قيم بعنوان (العقل الرعوي في استعصاء الامساك باسباب التقدم)….
ويشير دكتور النور في كتابه إلى “العقل الرعوي” على أنه:
بنية عقلية وثقافية تشكلت في مرحلة تاريخية معينة، أساسها غريزة البقاء في سياق البيئة القبلية والرعوية…….
عقلية جمعية قائمة على الانصياع والاتفاق داخل إطار القبيلة أو الجماعة، ولا تقبل التفكير الحر أو الاختلاف…….
هذا العقل يصبح معيبًا ومُعيقًا عندما يتمسك بخناق الطور الأعلى منه في سلم التطور ، أي أنه يقف حجر عثرة أمام التطور والحداثة وبناء الدولة المدنية الحديثة.
ومن سمات العقل الرعوي التي يذكرها دكتور النور :
* تمجيد القوة والافتتان بها والسطو على الآخرين.
* سرعة الغضب والانزلاق في العنف.
* الاغتراب عن فكرة الارتباط بالأرض والاستقرار (على عكس الزراعة والحضارة النيلية).
* تحويل منظومة الدين إلى ما يعكس العقلية القبلية ويبرر الإقصاء وقتل المخالف.
ويرى دكتور النور أن العقل الرعوي ليس قاصرًا على المجتمعات الرعوية التقليدية، بل يتحور ويتخذ صورًا مختلفة يمكن أن نجدها في سياقات حديثة كـ الأحزاب أو الحركات العنصرية والفاشية (مثل النازية أو جماعات الكاوبوي العنصرية).
نخلص من الكتاب الى أن العقل الرعوي هو نمط تفكير وممارسة (Mindset)، تحكمه قيم القبيلة القديمة القائمة على القوة والغلبة والإقصاء، ويقاوم قيم التمدن والحداثة واحترام القانون والسلوك المنضبط……
واذا ما استصحبنا ما ورد في كتاب العقل الرعوي واسقطناه على النظام الحاكم اليوم في بورتسودان والمكون من العسكر والفلول ، من حيث تعامل العقل الرعوي مع الدولة والمال العام حيث ينظر اليها كـ “غنيمة” يجب الاستيلاء عليها والاستفادة منها بشكل حصري للجماعة أو القبيلة أو الفئة المسيطرة، وليس كأمانة لخدمة الصالح العام فسنجد بكل بساطة أن:
1- فلول النظام السابق (الإنقاذ المحلول) قد تميز حكمهم بل وعرفوا بـ الفساد المالي والإداري وتوظيف مؤسسات الدولة (المدنية والعسكرية) لخدمة وتمويل تيارهم الأيديولوجي والقبلي، وتفكيك المؤسسات الوطنية لصالح “تمكين” جماعتهم.
2- العسكر أدمنوا استغلال السلطة والاستحواذ على القطاعات الاقتصادية (الشركات العسكرية) وتحويلها إلى أصول شخصية أو فئوية، والتعامل مع موارد الدولة (بما في ذلك المساعدات الخارجية) على أنها مخصصات خاصة بجهة معينة دون غيرها ، بلا ضوابط أو شفافية…….
مما يدل بوضوح على سيطرة العقل الرعوي على النظام…..
لذلك نرى أن تعامل النظام وعلى رأسه الفريق البرهان مع المجتمع الدولي يعكس سمات “العقل الرعوي” المتحور في سياق الدولة الحديثة.
ويتجلى هذا التعامل في عدد من المظاهر التي تتعارض مع قواعد العمل الدبلوماسي والمؤسسي للدولة الحديثة منها :
1. التعامل مع السيادة كـ “منعة القبيلة” المطلقة ، وهذه سمة رعوية اذ يقدس العقل الرعوي المنعة والقوة الذاتية للقبيلة (أو الجماعة) ويرفض أي تدخل خارجي أو وصاية، حتى لو كان ذلك في شكل معاهدات أو آليات دولية (مثل الرباعية).
ويتضح ذلك جليا في تشديد البرهان المستمر على رفض ما يسميه “الوصاية” أو الإملاءات الخارجية، وهو تعبير يتماشى مع عقلية “لا أحد يفرض على السودان سلاماً أو حكومة أو أشخاصاً”. هذا التصريح، رغم أهميته في السياق الوطني، الا أنه يُستخدم لعرقلة آليات التفاوض والحلول التي يقترحها المجتمع الدولي ويتجاهل التزامات الدولة الحديثة…….
وايضا نرى ذلك في السعي للحسم العسكري بدلاً من التفاوض، والتمسك بالخيار العسكري، الذي يعكس إيمانًا بأن الانتصار في المعركة (الغلبة) هو الذي يحدد شروط “السلام” أو “الاتفاق” عندهم ، وليس القانون أو الحوار المدني او كما قال البرهان المجد للبندقية….
كذلك يتجلى التفكير الرعوي في التحالفات القائمة على “المصالح البراغماتية الضيقة” ، فالتحالفات في العقل الرعوي حسب ما اوضح دكتور النور تقوم على غريزة البقاء، ويكون هدفها الحماية الفورية وتوفير الغنيمة، وهي تحالفات مرنة وقابلة للتغيير بسرعة حسب متطلبات القوة…..
لذلك نجد البرهان ونظامه يمارس مناورات دبلوماسية متكررة، حيث يُظهر موافقة مشروطة على مبادرة (كالرباعية) ثم يضع شروطًا تعجيزية أو ينسق مع طرف إقليمي ضد طرف دولي آخر. هذا التذبذب يعكس غياب الإرادة الوطنية المستقلة والموحدة القائمة على مبادئ ثابتة.
ونجد ان العقل او التفكير الرعوي عند البرهان ونظامه يركز على استبدال الدولة بالجهة حيث يرى أن التعامل مع بعض الدول الإقليمية أو الدولية بالتنسيق المباشر باعتباره يمثل مصالح “العصابة التي تدير الدولة” للحفاظ على السلطة والمكاسب، بدلاً من التعامل مع المجتمع الدولي كدولة ذات مؤسسات تبحث عن المصلحة الوطنية العليا (كما في ملفات الأمن القومي المشترك).
اذ يتمتع العقل الرعوي بعدم الثقة في “المأسسة الدولية” ولا يثق في النظم والقوانين التي تتجاوز حدود القبيلة أو العشيرة، ويرى فيها خطرًا على سلطة السائد…..
وبالتالي فهو يرفض الآليات المعيارية ، ويتعامل بحذر وربما الرفض مع آليات العدالة الدولية أو التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك لأن هذه الآليات تمثل الطور الأعلى من التطور الذي يحاول العقل الرعوي مقاومته، والذي يهدد بمساءلة قادة النظام…..
ويستغل تغليب “الرأي العام الداخلي” المصطنع بوضع الاشتراط بأن “أي تفاوض يجب أن يضمن إنهاء التمرد وعدم فرض شخصيات مرفوضة شعبياً”، وهو استخدام (مشكوك فيه) لفكرة تزوير “إرادة الشعب” لتبرير رفض القوى المدنية وشركاء الانتقال، وهو ما يعكس تَمَلُّق العقل الجمعي الذي أشار إليه دكتور النور حمد….
لذلك من الصعب وجود حل للمشكلة السودانية ما دام هذا العقل هو المسيطر على مقاليد الامور وما دام القرار بيدهم الا من خلال ثلاث نقاط رئيسية حاسمة هي :
* فرض وقف إطلاق نار شامل بضمانات دولية وعقوبات صارمة، لكسر إيمان العقل الرعوي بـ “الغلبة العسكرية” كآلية وحيدة للسلام.
* تمكين سلطة مدنية كاملة ذات كفاءة، تكون مهمتها تفكيك الاقتصاد العسكري ودمج القوات تحت قيادة مدنية، لإعادة تعريف الدولة من “غنيمة” إلى “أمانة وطنية”.
* ربط الدعم والاعتراف الدولي بفرض المساءلة، وإجبار القادة على التعاون مع آليات العدالة الدولية والتحقيقات، لمواجهة رفضهم لـ “المأسسة” والقانون.
باختصار ضغط دولي فاعل وجاد لإنهاء القتال، ثم تمكين الدولة المدنية لتفكيك السيطرة الاقتصادية والعسكرية الرعوية، مع فرض شامل للمساءلة الدولية……
والله المستعان……
اللهم اصلح حالنا وبدل احوالنا الى ماتحبه وترضاه…..
ثم السلام على الغبش المظلومين ولا سلام على القتلة والظالمين…..

زر الذهاب إلى الأعلى