الأعمدة

*الخوف في مينا بولس: المهاجرون بين مطرقة الأمن القومي وسندان العنصرية في عهد ترامب الثاني

### **مدينة تتنفس القلق**

في شوارع مينا بولس بولاية مينيسوتا، التي كانت يوماً رمزاً للتنوع الثقافي والتعايش، يسود اليوم شعور ثقيل بالخوف. المهاجرون القادمون من الشرق الأوسط والقرن الإفريقي يعيشون حالة من الترقب والقلق الدائم، بعد أن كثّفت وحدة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) التابعة لوزارة الأمن الداخلي حملاتها الميدانية في الأحياء التي تضم جاليات عربية وإفريقية كبيرة.
المدينة التي احتضنت آلاف اللاجئين منذ تسعينيات القرن الماضي، تحولت في الأشهر الأخيرة إلى مسرح لعمليات مداهمة واعتقالات مفاجئة، ما جعل كثيرين يفضلون البقاء في منازلهم أو الامتناع عن الذهاب إلى العمل والمدارس خوفاً من الترحيل أو الاحتجاز.
في المقاهي الصغيرة بحي سيدار ريفرسايد، يتحدث الناس همساً عن جيران اختفوا فجأة، وعن أسر تفكر في الرحيل إلى كندا. الخوف أصبح لغة يومية، والقلق صار جزءاً من هوية المدينة.

—

### **عودة شبح الأمننة في عهد ترامب الثاني: الأمن القومي أولاً**

منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، دخلت سياسات الهجرة في الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التشدد، أعادت إلى الأذهان أجواء ولايته الأولى (2017–2021)، لكن بحدة أكبر هذه المرة.
الإدارة الحالية ترفع شعار “استعادة السيطرة على الحدود” وتعتبر ملف الهجرة جزءاً من منظومة الأمن القومي، لا من السياسة الاجتماعية أو الاقتصادية. هذا التحول جعل أجهزة إنفاذ القانون، وعلى رأسها وحدة الهجرة والجمارك (ICE)، تتحرك بسلطات أوسع وبتوجيه مباشر من البيت الأبيض.

تقرير *Migration Policy Institute* الصادر في يناير 2026 يؤكد أن العام الأول من الولاية الثانية لترامب شهد زيادة بنسبة 38% في عمليات الاعتقال والترحيل مقارنة بعام 2023، مع توسع في تعريف “المخالفين” ليشمل من لديهم مخالفات بسيطة أو تأخيرات في تجديد الإقامة.
ويشير التقرير إلى أن الإدارة الجديدة أعادت تفعيل برامج “التحقق الميداني” (Field Enforcement Operations) التي كانت قد توقفت في عهد الرئيس جو بايدن، ما أدى إلى تصاعد المخاوف داخل المجتمعات المهاجرة، خصوصاً في ولايات مثل مينيسوتا وكاليفورنيا وتكساس.

الخطاب الرسمي للرئيس ترامب يربط بوضوح بين الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة، ويصفها بأنها “تهديد مباشر للأمن الأمريكي”. هذا الخطاب يجد صدى واسعاً بين أنصاره، لكنه يثير قلق المنظمات الحقوقية التي ترى فيه تبريراً لسياسات تمييزية تمس حتى المقيمين الشرعيين.
وبحسب دراسة *Brookings Institution* (ديسمبر 2025)، فإن 64% من الأمريكيين يؤيدون تشديد الرقابة على المهاجرين، وهي أعلى نسبة منذ عقدين، ما يعكس نجاح الإدارة في تحويل الخوف إلى رأي عام داعم.

في هذا السياق، أصبحت “الأمننة” (Securitization) سمة مركزية في سياسة ترامب الثانية، حيث تُعامل قضايا الهجرة واللجوء باعتبارها ملفات أمنية بحتة، تُدار بعقلية الطوارئ لا بعقلية الحقوق.
النتيجة أن المهاجرين من الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، الذين جاؤوا بحثاً عن الأمان، يعيشون اليوم في ظل إدارة ترى فيهم “ملفاً أمنياً” قبل أن تراهم بشراً يسعون إلى حياة أفضل.

—

### **الخطاب السياسي والإعلامي: صناعة الخوف**

الخطاب السياسي الأمريكي في عهد ترامب الثاني ساهم في تأجيج المخاوف تجاه المهاجرين. فوفق دراسة *Brookings Institution* (ديسمبر 2025)، يرى أكثر من ستة من كل عشرة أمريكيين أن الحكومة “لا تسيطر على الحدود”، وهو ما يمنح غطاءً شعبياً للإجراءات الصارمة.
وسائل الإعلام المحافظة تكرّس صورة المهاجر كتهديد محتمل، بينما تحاول وسائل الإعلام الليبرالية الدفاع عن حقوق الإنسان دون أن تنجح في تغيير المزاج العام.
في هذا المناخ، أصبحت الهجرة قضية انتخابية بامتياز، تُستخدم لاستقطاب الناخبين عبر خطاب يقوم على الخوف من “الآخر”، لا على الحقائق الاقتصادية والاجتماعية.

—

### **مينيسوتا.. ساحة اختبار للسياسات الفيدرالية**

ولاية مينيسوتا، التي تضم واحدة من أكبر الجاليات الصومالية في الولايات المتحدة، أصبحت ساحة اختبار حقيقية لسياسات الهجرة الجديدة. السلطات المحلية في مينا بولس وسانت بول ترفض التعاون الكامل مع وحدة ICE، وتصف نفسها بأنها “مدن ملاذ” (Sanctuary Cities)، لكن هذا الموقف لا يمنع المداهمات الفيدرالية.
تقرير *American Civil Liberties Union (ACLU)* الصادر في نوفمبر 2025 يوثق عشرات الحالات التي تم فيها اعتقال أشخاص من منازلهم أو أماكن عملهم رغم امتلاكهم أوراق إقامة قانونية.
النتيجة كانت حالة من الشلل الاجتماعي: المتاجر التي يديرها مهاجرون فقدت زبائنها، والمدارس شهدت غياباً متزايداً بين الأطفال من أسر المهاجرين، فيما تراجعت المشاركة في الأنشطة العامة خوفاً من الظهور في الأماكن العامة.

—

### **الجانب النفسي: الخوف كحالة وجودية**

الخوف لم يعد مجرد شعور عابر، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية للمهاجرين. دراسة *University of Minnesota – Center for Immigrant Health* (2025) توصلت إلى أن معدلات القلق والاكتئاب بين المهاجرين ارتفعت بنسبة 45% خلال العامين الأخيرين.
الأطفال يعانون من اضطرابات في النوم والتحصيل الدراسي، والنساء يواجهن عزلة اجتماعية متزايدة بسبب الخوف من الخروج أو مراجعة المؤسسات الرسمية.
المساجد والكنائس الإفريقية تحولت إلى ملاذات نفسية واجتماعية، لكنها تواجه بدورها ضغوطاً أمنية، إذ تخضع بعض الأنشطة المجتمعية للمراقبة بحجة “التحقق من مصادر التمويل”.

—

### **الجانب القانوني: بين النصوص والواقع**

من الناحية القانونية، يحمي الدستور الأمريكي المقيمين الشرعيين من الاعتقال التعسفي، لكن التطبيق العملي يختلف كثيراً عن النصوص.
تقرير *National Immigration Law Center* (ديسمبر 2025) وثّق حالات احتجاز لأشخاص لديهم إقامة قانونية بسبب أخطاء في قواعد البيانات أو تشابه الأسماء.
كما أشار تقرير *Human Rights Watch* (يناير 2026) إلى أن بعض المعتقلين ظلوا محتجزين لأشهر دون توجيه تهم رسمية، في انتهاك واضح لمبدأ “الإجراءات القانونية الواجبة” (Due Process).
هذه الممارسات تثير تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة بمعايير حقوق الإنسان التي طالما دافعت عنها في الخارج.

—

### **الأمن القومي أم الأمن الانتخابي؟**

من منظور الأمن القومي، تبرر إدارة ترامب هذه الإجراءات بأنها ضرورية لمنع تسلل عناصر متطرفة أو شبكات تهريب. لكن خبراء الأمن يشيرون إلى أن الإفراط في “الأمننة” قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يضعف التعاون بين الجاليات وأجهزة الأمن، ويزيد من عزلة المهاجرين.
في المقابل، يرى محللون سياسيون أن ما يجري هو “أمن انتخابي” أكثر منه “أمن قومي”، إذ تُستخدم قضية الهجرة كأداة لحشد القاعدة اليمينية المحافظة في الانتخابات النصفية المقبلة.
الانقسام الحزبي العميق بين الجمهوريين والديمقراطيين يجعل من الصعب التوصل إلى إصلاح تشريعي شامل، رغم الدعوات المتكررة من منظمات المجتمع المدني.

—

### **انعكاسات اجتماعية طويلة المدى**

الآثار الاجتماعية لهذه السياسات تتجاوز اللحظة الراهنة. فالمهاجرون الذين جاؤوا بحثاً عن الأمان والاستقرار يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة مجتمع يشكك في انتمائهم وولائهم.
هذا الشعور بالرفض يولد ما يسميه علماء الاجتماع بـ”الاغتراب المزدوج” (Double Alienation): اغتراب عن الوطن الأصلي الذي تركوه، واغتراب عن المجتمع الجديد الذي لم يقبلهم بعد.
النتيجة المحتملة هي تفكك مجتمعي داخل الجاليات، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، ما قد يخلق بيئة خصبة للتطرف أو الانعزال الثقافي.

—

### **المشهد الدولي: قلق متزايد وصمت دبلوماسي**

الدول المصدّرة للمهاجرين، مثل السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا، تتابع بقلق مصير جالياتها، لكنها تفتقر إلى النفوذ الدبلوماسي الكافي للتأثير في السياسات الأمريكية.
في ديسمبر 2025، أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بياناً أعرب فيه عن “قلقه العميق” إزاء تزايد الاعتقالات العشوائية للمهاجرين في الولايات المتحدة، داعياً واشنطن إلى احترام التزاماتها الدولية.
لكن الرد الأمريكي كان مقتضباً، مؤكداً أن “كل الإجراءات تتم وفق القانون”، في إشارة إلى أن الأمن القومي يظل أولوية لا تقبل المساومة.

—

### **خلاصة: أمريكا بين قيمها ومخاوفها**

ما يحدث في مينا بولس ليس مجرد أزمة محلية، بل مرآة تعكس أزمة هوية أمريكية أعمق. الولايات المتحدة التي بنت صورتها على قيم الحرية والعدالة والمساواة، تجد نفسها اليوم ممزقة بين تلك القيم ومخاوفها الأمنية.
المهاجرون الذين جاؤوا بحثاً عن الأمان يعيشون الآن في دائرة الخوف، في مشهد يعيد طرح السؤال الجوهري: هل ما زالت أمريكا “أرض الحلم” أم أصبحت “أرض القلق”؟
الإجابة ستتوقف على قدرة المجتمع الأمريكي على الموازنة بين حماية حدوده وصون إنسانيته، بين الأمن والحرية، وبين السياسة والضمير.

—

### **المراجع والمصادر (حتى 9 فبراير 2026)**

1. Migration Policy Institute. *U.S. Immigration Enforcement Trends 2023–2026*, Washington D.C., Jan 2026.
2. Brookings Institution. *Public Opinion and Immigration Policy in the 2024–2025 Election Cycle*, Dec 2025.
3. American Civil Liberties Union (ACLU). *Fear and Silence: Immigrant Communities under ICE Pressure*, Nov 2025.
4. University of Minnesota – Center for Immigrant Health. *Mental Health Impacts of Immigration Enforcement in Minnesota*, 2025.
5. National Immigration Law Center. *Legal Residents and ICE Detentions: A Review of 2024–2025 Cases*, Dec 2025.
6. Human Rights Watch. *United States: Immigration Enforcement and Human Rights Concerns*, Jan 2026.
7. U.S. Department of Homeland Security (DHS). *Field Enforcement Operations Report*, 2025.
8. United Nations Human Rights Council. *Statement on Migrant Detentions in the United States*, Geneva, Dec 2025.

—

زر الذهاب إلى الأعلى