لا يمكن إلا الإقرار بحقيقة أن ما قاله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من تنوير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان إنجازا أخلاقيا وسياسيا فاق كل التوقعات التي كانت تعتقد في بداية الزيارة هذه التاريخية أن ما سيقوله الرجل لأصدقائه في واشنطن لن يتجاوز بضع كلمات حول الشأن السوداني الذي غلب كل غلاب .وهو جهد لم يقف عند حدود لفت نظر الرئيس الأمريكي فحسب ناحية حجم مأساة شعبنا التي باتت تهدد كل دول التماس في المنطقة وهو شأن يهم المملكة العربية السعودية بالدرجة الأولى التي تمثل حجر الزاوية في منطقة سواحل البحر الاحمر وبالتالي فإن إنعاش ذاكرة حلفائها الغربيين لاسيما امريكا بصفة خاصة إلى ضرورة قطع الطريق أمام تسلل القوى الأخرى الطامعة في وضع أقدامها في تلك السواحل والمقصود بالطبع الروس و الصيينيين والايرانيين و الكوريين الشماليين إلى حد ما والنظر غربا إلى المطامع الفرنسية .
وبالطبع عدم الإعلان عن هذا الجانب صراحة في تصريحات الأمس لا يقلل من اهتمام القيادة السعودية بأهمية إنقاذ وحدة السودان وشعبه من هذه الكارثة التي تتهدد سلامة حاضره وتاريخه ومستقبله.
فاستشعار القيادة السعودية التي تملك قدرا من التأثير على بقية أضلاع الرباعية بما فيها امريكا ذات نفسها بغرض حجب الدعم لأطراف الصراع ..فضلا عن امتلاك السعودية للتفاصيل الوافية حول تعقيدات وعناصر حرب السودان المتشابكة من ألفها إلى يائها .
كما أن قدرة المملكة على المساهمة في إعادة تعمير السودان من باب الاستثمارات أو نافذة المساعدات هو ما سبحفز بقية حلفائها الغربيين كضامن موثوق من الانخراط في هذا الجانب الذي اهم عناصر نجاحه هو الاستقرار السياسي وبسط أجنحة الأمن في كل أطراف البلاد .
وهذا كله يفسر اتجاه الأمير محمد الجاد نحو إضافة الجانب التنفيذي المتمثل في تدخل الرئيس ترامب شخصيا بكل قوة إلى جانب تفعيل وتنشيط تكاسل المسار الدبلوماسي الذي يقود مسيرته مستشاره مسعد بولس.
غير أن ذلك كله لن يكتمل نجاحه الا باستشعار الأطراف السياسية الداخلية المتباعدة الروى لمسيولياتها الوطنية في هذا المنعطف التاريخي الحرج و أن ترمي خلافاتها بدءا بتفسيراتها المتناقضة والمتنطعة عند البعض لأسباب الحرب و كيفية حسمها ما بين من يتبنى شعار تقيف بس ومن يرفع قبضة بل بس .
أما حملة البنادق أنفسهم فيجب عليهم أن يفهموا أن كل احتمالات حسم الحرب وتسوية كيفية تصفية تبعاتها انتصارا لطرف أو استسلاما لآخر لابد أنها في نهاية الأمر ستؤول إلى مفاوضات على طاولات ملتئمة أو متباعدة شأنها شأن كل الحروب منذ العالمية الأولى والثانية والأمثلة الداخلية عندنا تظل شاهدا على المدى غير البعيد.
أما الحديث عن الترتيبات السياسية لمستقبل الحكم في السودان ..فتصبح في الوقت الحالي و قبل خطوات إقرار مبدأ السلام مثل وضع العربة أمام حصان الهدنة و بعيدا عن لجام وقف إطلاق النار ووضع سرج إنهاء الحرب بصورة قاطعة .
والله ولي التوفيق ..



