الأعمدة

لقاء ترامب وبن سلمان….. حين تتكلم الجغرافيا وتصمت النخب.!!؟

بقلم: د. أحمد طه العاقب أبوحريرة
المعركة في السودان ليست فقط في الشوارع، ولا في الأحياء التي تحولت إلى خطوط نار.
المعركة الأخطر هي: من يملك حقّ سرد روايتنا للعالم؟ ومن يعرّف القوى الكبرى بما يجري فعلاً في السودان؟
اليوم، وبعد تصريحات الرئيس الأمريكي عقب لقائه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ظهر سؤالٌ مرٌّ ومباشر:
لماذا عرف ترمب حقيقة ما يجري في السودان عبر وسيط إقليمي… وليس عبر السودانيين أنفسهم؟
ترمب قال إنه “لم يكن يعرف الكثير عن السودان”، وإنه “سيبدأ الآن بالعمل على إنهاء الحرب بطلب من السعودية”.
سواء كان هذا جهلًا حقيقيًا أو “تجاهلًا سياسيًا”، فالنتيجة واحدة:
هناك من يقدّم رواية السودان للعالم بالنيابة عن السودانيين.
محمد بن سلمان — سواء لأهداف سياسية أو استراتيجية — استطاع أن يضع ملف السودان أمام الرئيس الأمريكي بشكل واضح، بينما القوى السياسية السودانية فشلت لسنوات في تعريف المجتمع الدولي بالعدو الحقيقي:
من يموّل الحرب، من يحرّكها، ومن ينهب موارد السودان خلف الستار.
وهذه حقيقة يجب الانتباه لها:
إذا لم يجلس السودانيون ويعرّفوا العالم بحقيقة الأزمة، فسيفعلها الآخرون — وبالطريقة التي تخدم مصالحهم، لا مصالح السودان.
وهنا نعود إلى جوهر رسالتنا:
المعركة الحقيقية ليست بين المقاتلين على الأرض… بل بين من يملك مفاتيح التمويل والتوجيه من الخارج.
ولذلك يصبح “الجلوس مع العدو الحقيقي” تكتيكًا لا اعترافًا — وسلاحًا لحماية البلد لا تنازلًا.
تحليل لقاء ترمب – بن سلمان: ماذا يعني بالنسبة للسودان؟
تصريحات ترمب بعد اللقاء كشفت أربع نقاط مهمة:
1. العالم لم يكن يرى الصورة كاملة
تصريح ترمب بأنه “لم يكن يعرف الكثير” يعني أن السودان كان خارج أولويات واشنطن، وأن المجتمع الدولي لم يتلقَّ رواية سودانية موحدة أو قوية.
2. الجهة التي قدمت الملف هي التي حددت زاوية الرؤية
حين يشرح بن سلمان للرئيس الأمريكي “حقيقة الوضع”، فهذا يعني عمليًا أن رواية الأزمة صارت تمر عبر الرياض.
وهذا يعطي السعودية — تلقائيًا — موقعًا مؤثرًا في شكل الحل الدولي.
3. القوى السياسية السودانية تركت فراغًا كبيرًا
الفراغ الذي تركته النخب السياسية سمح لقوى إقليمية أن تتكلم باسم السودان، وتحدد طبيعة الأزمة ومداخل الحل.
4. إذا لم نحدد نحن العدو الحقيقي، سيحدده الآخرون بما يناسب مصالحهم
وقد يكون هذا التحديد منقوصًا أو منحازًا أو موجّهًا لغير مصلحة السودان.
الرسائل الخمس للشارع والقيادة بعد قراءة المشهد الجديد
أولاً: من هو العدو الحقيقي؟
ليس من يحمل السلاح فقط، بل من يمول ويخطط ويفتح المعابر.
العدو هو الجهة التي تستثمر في إطالة الحرب وتمزيق السودان.
ثانياً: لا تنشغلوا بأسماء القادة الظرفيين
تغيير الأشخاص لا يوقف الحرب…
وقف التمويل الخارجي هو المفتاح الوحيد.
ثالثاً: ما نطلبه عند الجلوس مع “العدو الحقيقي”
وقف الدعم العسكري فوراً.
وقف تهريب الذهب والموارد.
فتح ممرات إنسانية محمية.
آليات تحقق دولية صارمة.
رابعاً: الجلوس تكتيك… لا اعتراف
أنت تجلس لتقطع مصادر الحرب، لا لتكافئ من أشعلها.
خامساً: رسائل داخلية واضحة
للشارع: ركّزوا على وقف التمويل الخارجي لا على المعارك الجانبية.
للجيش والقيادة: سمّوا العدو الحقيقي بوضوح واعملوا على قطع شرايينه.
للسياسيين: وحدوا خطابكم… العالم لن يسمع صوتًا متشظيًا.
الخلاصة
حين يبدأ رئيس الولايات المتحدة في فهم أزمة السودان عبر وسيط إقليمي، فهذا لا يدل فقط على نفوذ ذلك الوسيط…
بل يدل على غياب الصوت السوداني الموحد الذي يسمي العدو الحقيقي ويكشف من يشعل الحرب ومن يغذيها.
ولن نستعيد السودان إلا حين نستعيد حقنا في تعريف أزمتنا للعالم…
ونجلس مع من يمول الحرب لنوقفها — لا لنعطيه شرعية، بل لنحمي شعبنا ونستعيد سيادتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى