الأعمدة

كيف أصبح “مسرح العمليات الموحد” في كردفان ودارفور هو نقطة الحسم النهائية

مجاهد بشري
على مدى الأشهر الماضية، تكررت الهجمات العسكرية التي قادها الجيش السوداني وحلفاؤه من الميليشيات المتحالفة على محاور مختلفة في كردفان. هذه الهجمات، على الرغم من كثافتها، انتهت جميعها بخسائر فادحة وعجز عن تحقيق أي اختراق استراتيجي، وآخرها ما شهدته مناطق بارا، وأم سيالة، وجبل أبو سنون. هذا التكرار للهزائم يثير سؤالاً جوهرياً: لماذا يصر الجيش على القتال التكتيكي الخاسر، رغم انهياره الميداني في إقليمي دارفور وكردفان؟
إن الإجابة لا تكمن في ضعف القدرات، بل في استراتيجية الإكراه السياسي التي يتبناها الجيش، وفي نجاح قوات الـ RS في تحقيق “المعادلة المستحيلة” بإنشاء مسرح عمليات موحد في غرب البلاد، مما حوّل الحرب إلى صراع على البقاء.
1. الانسحاب الاستراتيجي: تفكيك “المعادلة المستحيلة” للـ RS
للوهلة الأولى، بدا انسحاب قوات الـ RS من مناطق النيل الأبيض، وجنوب الجزيرة، وأجزاء من سنار والدندر، كفشل في التوسع. لكن التحليل الاستراتيجي يثبت أن هذا كان “انسحاباً تكتيكياً للتركيز الاستراتيجي”.
الحجة: أدركت قيادة الـ RS أن التوزيع المفرط للقوات على جبهات متعددة (Overextension)، بعيداً عن عمقها اللوجستي في الغرب، هو استنزاف مكلف. لذا، قررت إعادة توجيه ثقلها العسكري لضمان السيادة الإقليمية على مناطقها الأصلية (دارفور وكردفان).
النتيجة الاستراتيجية:
تأمين العمق اللوجستي: السيطرة الكاملة على دارفور، بعد سقوط الفاشر، وفرت لـ الـ RS عمقاً استراتيجياً متصلاً، وخطوط إمداد داخلية آمنة ومفتوحة على دول الجوار.
إنشاء مسرح العمليات الموحد: ألغت هذه السيطرة الحدود العملياتية بين الإقليمين، مما سمح لقوات الـ RS بحركة سلسة ومركزة للموارد والعتاد، بعكس الجيش الذي أصبح محصوراً في شريط النيل، وفي الشرق ومدينة بورتسودان.
2. الهجوم القسري الاضطراري (Forced Offensive): ضغط السياسة يغلب العسكرية
الهجمات المتكررة التي يشنها الجيش، والتي تنتهي بخسائر مؤكدة (كما حدث حول الأبيض)، ليست مدفوعة بأهداف عسكرية واقعية، بل هي رد فعل اضطراري على الانهيار الاستراتيجي.
هذه الهجمات تندرج عسكرياً تحت مفهوم “Forced Offensive” (الهجوم القسري الاضطراري)، حيث تُجبر القيادة العسكرية الميدانية على شن عمليات تحت ضغط القيادة السياسية المتواجدة في بورتسودان، وبتوجيه من المستشارين العسكريين الإقليميين.
الأهداف السياسية للهجمات الخاسرة:
رفع السعر التفاوضي: محاولة يائسة للظهور كطرف ما زال يمتلك زمام المبادرة قبل أي مباحثات دولية (كاجتماعات واشنطن أو غيرها).
طمأنة الحلفاء الإقليميين: إرسال رسالة مفادها أن الجيش ما زال يقاتل، وهو أمر حيوي للحفاظ على الدعم اللوجستي والسياسي من دول المنطقة، و النتيجة ان الجيش على الرغم من وجود دعم لوجستي، و اكثر من 40 مليشيا، و مرتزقة ، و دول جوار، إلا أنه ما يزال يهرب في مواجهة الـ RS، ويدعو للتعبئة العامة و الاستنفار في اوضح صورة للإنهيار التام، و العجز الواضح..
تشتيت الضغط عن الأبيض: إجبار الـ RS على إبقاء جزء من قواته في وضعية دفاعية حول الفرق المحاصرة (مثل الفرقة 22 بابنوسة) لمنع تفرغه للهجوم الكامل على نقطة الارتكاز الرئيسية: الأبيض.
3. لعبة تصدير الخسائر: الكتائب الإسلامية ووقود درع السودان
التحول في تشكيل القوات الهجومية للجيش هو دليل آخر على انهياره الداخلي وفقدانه القدرة على التضحية بجنوده النظاميين.
الحجة: شهدت المعارك الأخيرة تراجعاً لافتاً لدور الكتائب الإسلامية والمستنفرين (البراء بن مالك)، وتقدم ميليشيات “درع السودان” غير المدربة كقوة هجومية أولى.
التحليل الداخلي للصفوف:
فقه إدخار القوة: بعد أن تكبّدت الكتائب الإسلامية خسائر ضخمة في محاور شمال كردفان، أصبحت تمارس “فقه إدخار القوة”، حيث تنسحب لحماية كوادرها العقائدية تمهيداً لمعارك حسم النظام في الشرق.
استراتيجية الوقود البشري: يرى الجيش في قوات “درع السودان” قوة هجومية غير نظامية يمكن التضحية بها بأقل خسارة سياسية، فهي تمثل “وقوداً حياً” لامتصاص ضربات الـ RS، بينما يتردد الجيش النظامي في الدخول في معارك الاستنزاف المباشرة.
4. الأبيض: نقطة الارتكاز التي ستحسم مستقبل السودان
إن الهدف الاستراتيجي الأكبر لـ الـ RS هو مدينة الأبيض (عاصمة شمال كردفان) وليس الفرق المعزولة مثل بابنوسة. الأبيض هي النقطة التي تربط غرب السودان بشرقه.
الحجة: سقوط الأبيض لا يعني خسارة عسكرية فحسب، بل هو الانهيار الهيكلي للدولة السودانية الرسمية كما نعرفها.
الأثر الاستراتيجي لسقوط الأبيض الوصف والمدى
سقوط كردفان وانكشاف الوسط الأبيض هي آخر معقل رئيسي يفصل “مسرح العمليات الموحد” عن الوسط النيلي. سقوطها يفتح الطريق نحو كوستي وسنار، مما يهدد بـ خنق المحور الأوسط بالكامل.
عزل العاصمة القديمة (الخرطوم) السيطرة على طرق الأبيض تعني إطباق الحصار بشكل أعمق على الخرطوم الشرقية، وتجريد الجيش من أي قدرة لوجستية موحدة.
نهاية الدولة العميقة إذا انهار هذا المعقل، فإن قدرة الجيش على العمل كقوة موحدة تتلاشى، مما يعني النهاية العسكرية لمشروع “الدولة العميقة” الذي يحكم السودان لعقود.
خاتمة: يقاتل لـ “تأجيل نهايته” لا لـ “تحقيق انتصار”
في النهاية، تثبت سلسلة الهجمات المتكررة للجيش أنها ليست خطة للانتصار، بل هي محاولة لشراء الوقت، وإظهار قدرة قتالية غير موجودة على أرض الواقع. لقد نجح الـ RS في فرض حقيقة استراتيجية جديدة تتمثل في “مسرح العمليات الموحد”، مما يمنحه تفوقاً لوجستياً وعملياتياً لا يمكن للجيش منافسته.
لقد تحولت الحرب إلى صراع بين:
منظومة متحللة تدفع بحلفائها نحو الموت لتأجيل سقوطها. ضد قوة صاعدة تعمل على كسر العمود الفقري العسكري للنظام القديم.
إن التركيز على الأبيض ليس مجرد قتال على مدينة، بل هو رهان النظام الأخير على منع انهياره الوشيك، وهو ما سيحدد مصير السودان كله في المرحلة القادمة.
ومن لديه شك في هذا ..
فليضع هاتفه، و يحمل سلاحه ..
ثم يتجه إلى محاور القتال بكردفان ..
ليقطع الشك باليقين.

زر الذهاب إلى الأعلى