عثمان فضل الله
لمّا أطلقنا على ما اندلع في بلادنا اسم حرب الندامة لا الكرامة، ثارت الصدور قبل أن يثور الغبار في الميدان. خُوِّننّا بلا محاكمة، ونُعِتْونا بما لم نقترفه، وامتدت ألسنة السوء حتى لامست قبور أمهات رحلن بسلام، فلم تُسلم أرواحهن من التجريح ولا من ذلك الغلّ الذي لا يعرف حدودًا.
جرّبوا معنا كل أدوات القسر: ترهيبًا يلوّح بالعتمة، وترغيبًا يَعِدُ بما لا يُمنح، وظنّوا أن الموقف يمكن شراؤه أو ليُّ عنقه. لكنّ الموقف كان — وسيظل — ثابتًا كما هو قبل الرصاصة الأولى، وبعدها، وما بينهما. لم يكن موقفًا وُلِدَ من انفعالٍ طارئ، بل من بصيرةٍ أدركت منذ اللحظة الأولى أن هذه ليست حربًا من أجل وطن، بل حرب مصالح التف حولها الفاسدون من كل حدب وصوب؛ حربٌ تشبه مستنقعًا يعوم على سطحه الطمع، وتتقاذف فيه الأيدي الملوّثة شعاراتٍ أكبر من ضمائر أصحابها.
لقد علمنا، قبل أن يشتعل الفتيل، أنّ من يشعلونها ليسوا طلاب حرية ولا دعاة كرامة، مهما زيّنوا خطاباتهم بالوطنية الجوفاء. رأينا بأمّ أعيننا كيف تُدار الحرب من وراء الستار، وكيف ينسج المنتفعون خيوطها، ويقتاتون من دم الأبرياء. لذلك سمّيناها حرب الندامة؛ ندامةٌ ستطال من أصرّ على دفع البلد إلى الهاوية، ومن ألبس الخراب ثوب البطولة، ومن ظنّ أن التاريخ يمكن خداعه ببعض الضجيج.
واليوم، بعد أن انكشفت الوجوه وسقطت الأقنعة، ندرك كم كنّا بسيطين عددا في موقفنا… لكننا لم نكن مخطئين. فالحقّ لا يحتاج إلى جموع، يكفيه أن يكون حقًا. وما قلناه آنذاك نقوله اليوم: هذه حربٌ ما كان لها أن تكون، وحين تُطفأ نارها سيبقى رمادها شاهدًا على أن من أشعلها أراد مكاسب لا مستقبلًا، وأراد سُلطة لا وطنًا.
تلك هي حكايتنا مع حرب الندامة… حكاية موقف لم يتزحزح رغم العاصفة، لأن الحقيقة — وإن جُرِّح أصحابها
— تظلّ أقوى من الادعاء.
واليوم، بحمد الله، تكشّفت الحقائق التي كنا نهتف بها في وجه العاصفة، وظهر من بين الركام كثيرون من أهل السلام الذين أدركوا — متأخرين — ما كنا نحذّر منه ونردده. وانفضّ جمع دعاة الحرب والموت والدمار، وتفرّق شملهم، فإذا بعضهم يُقبل على بعض يتلاومون، وكلٌّ مشغول يحصى ما جناه من مالٍ غُسِل بالدم، وثمنٍ لا يقدر على حمله ضمير.
لم يعد للحرب نصير، ولا للخراب غراب ينعق في فضاء الوطن؛ فالجميع بات مشغولًا بإعادة قراءة ذاته إن تبقت له ذات قبل أن يقرأ الواقع. وصرنا نحن، الداعين إلى السلام منذ البدء، أكثريةً تمتد جذورها في الوعي العام، بعد أن تفكّكت عرى خطاب الحرب عروةً بعد أخرى، وانكشف خواء صانعيه.
ولم يبقَ إلا أن نعزف، جميعًا، لحن الوئام، وأن نرفع أصواتنا — بلا تردد — مردّدين: تَبًّا للحَرابة… ولتُفتح أبواب السلام على مصاريعها.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar



