عبد الله برقاوي
قال أحد الحكماء قديماً: إن من الخطأ أن نترك الرجال يهرمون في مواقعهم. ولعلّ الحكمة ذاتها تنطبق على الدول والسياسات؛ فالعالم لا يعترف إلا بمن يمتلك القدرة على تجديد أدواته، وإعادة قراءة مصالحه، وحماية قراره الوطني من التآكل تحت ضغط التبعية أو الوهم.
فالدول التي تفرض احترامها في محيطها الإقليمي أو على المسرح الدولي، لا تفعل ذلك بالصوت العالي وحده، ولا بالاكتفاء بعروض الخطابة واستعراض الشعارات، وإنما تبنيه على قوة الإرادة، وحسن إدارة المصالح، والقدرة على التحرك بمرونةٍ حين تستدير رياح الأحداث. فهي تعرف متى تتقدم، ومتى تناور، ومتى تحفظ توازنها دون أن تفقد كرامتها أو قرارها المستقل.
وفي زمانٍ أصبحت فيه المصالح هي اللغة الأكثر حضوراً في العلاقات الدولية، لم تعد العواطف السياسية وحدها كافية لصناعة التحالفات أو ضمان استمراريتها. فالمحاور لا تبحث عن المتعاطفين بقدر ما تبحث عن الشركاء القادرين على الإضافة والتأثير. أما التنقل الموسمي بين التكتلات، بدافع الخوف أو الحاجة أو محاولة الاحتماء المؤقت، فإنه لا يصنع وزناً حقيقياً، بل قد يجعل الدولة أقرب إلى ورقة تتقاذفها الرياح كلما تبدلت الموازين.
إن الانخراط في أي محور استراتيجي ينبغي أن يقوم على الندية والمصلحة المتبادلة، لا على الارتهان أو انتظار الحماية. فالدولة التي لا تبني عناصر قوتها الذاتية، ستظل مضطرة إلى الاتكاء على الآخرين، حتى وإن دفعت ثمن ذلك من سيادتها أو استقلال قرارها.
ومن هنا تبرز قيمة الوعي الوطني باعتباره خط الدفاع الأول عن الدولة. فالوقاية — كما يقولون — خير من العلاج، وهذه القاعدة لا تخص صحة الأفراد وحدهم، بل تشمل أيضاً صحة الأوطان واستقرارها. إذ إن معالجة الأزمات بعد وقوعها غالباً ما تكون أكثر كلفة وأقل جدوى من تجنب أسبابها منذ البداية.
ولذلك فإن بناء الدولة لا يتحقق بردود الأفعال المرتجلة، ولا بإرادة الفرد الواحد مهما بلغت قدراته، وإنما بالتخطيط العميق، والمؤسسية، واحترام التخصص، وإشراك العقول والخبرات في صناعة القرار. فالدول القوية ليست تلك التي تكثر من الحديث عن قوتها، بل تلك التي تُحسن إعداد نفسها للمستقبل، وتوفر لشعوبها أسباب الاعتماد على الذات، وتحفظ كرامتها بمناعة الداخل قبل رهانات الخارج.
إن الأمم التي تعرف كيف تحك جلدها بظفرها، لا تضطر كثيراً لمد اليد طلباً للعون، ولا تنتظر من الآخرين أن يحددوا لها اتجاه السير أو يحرسوا لها الطريق. أما من يفقد القدرة على حماية نفسه، فسرعان ما يعتاد الاتكاء، حتى يصبح عاجزاً عن التمييز بين من يداويه ومن يستنزفه.
وهكذا تبقى الحكمة القديمة صالحة لكل زمان:
ما حكَّ جلدَك مثلُ ظُفرك.
ففيها خلاصة معنى الاعتماد على النفس، سواء عند الأفراد أو في حياة الدول والشعوب.



