
بقلم/ إيهاب الأمين
شهد السودان في ظل حكم نظام الحركة الاسلاموية الذي امتد لثلاثة عقود أكبر عمليات نهب وتفكيك منظم لمؤسسات القطاع العام تحت لافتة الخصخصة والتمكين السياسي حيث تحولت أصول ومقدرات الشعب السوداني الى ملكيات خاصة لقادة الحزب الحاكم وعناصره الذين اصبحوا بين ليلة وضحاها من أغنى اغنياء المنطقة بينما غرقت البلاد في أزمات اقتصادية طاحنة وقد بدأت هذه المأساة التاريخية باستهداف البنية الاقتصادية للدولة عبر تصفية وبيع اكثر من مئة واربعين مؤسسة وشركة حكومية ناجحة شملت مصانع النسيج والسكر والزيوت ومشاريع زراعية عملاقة وشركات النقل الحيوية مثل الخطوط البحرية السودانية وسودانير وكان أبشع فصول هذا الفساد هو التصرف السري والبيع الغامض لحق الهبوط والإقلاع التاريخي للخطوط السودانية في مطار هيثرو الدولي بلندن وهي الصفقة التي تمت في خفاء تام ودون مستندات رسمية تحفظ حقوق الدولة لتذهب عائداتها الضخمة مباشرة الى حسابات سرية لمتنفذين في النظام البائد ولم تقتصر أموال القطاع العام المنهوبة على صفقات البيع المباشر بل تدفقت مليارات الدولارات عبر واجهات تجارية وشركات أمنية وحزبية وهمية تم إنشاؤها خصيصاً لاحتكار استيراد السلع الاساسية وتصدير ثروات البلاد من الذهب والصمغ العربي والماشية.
إن تتبع مسارات الشركات الأمنية والتوجيهية التابعة للنظام يكشف عن شبكة معقدة أخطبوطية صممت لاختراق مفاصل الاقتصاد الوطني حيث أسست الاجهزة الأمنية والعسكرية للحزب واجهات استثمارية وشركات قابضة تعمل في مجالات الاتصالات والمقاولات والخدمات المصرفية والتعدين وكانت هذه الشركات تحظى بإعفاءات جمركية وضريبية كاملة مما أدى إلى تدمير القطاع الخاص الوطني واحتكار الأسواق بشكل كامل. وتؤكد المعلومات والتقارير الموثوقة أن هذه المنظومة الأمنية الاقتصادية قامت بتهريب عائدات الصادرات الحيوية مثل الذهب والنفط الى مصارف خارجية عبر حسابات خاصة بأسماء قادة التنظيم والشركات الواجهية بدلاً من إيداعها في بنك السودان المركزي لتتحول هذه المؤسسات الى مغذٍ مالي مستمر لتمويل أنشطة الحزب الحاكم وحماية سلطته وفيما يتعلق بحجم الأموال العامة التي جرى تهريبها الى الخارج وتجميدها في حسابات ومشاريع استثمارية في عواصم اقليمية ودولية فقد أكدت تقارير لجان التحقيق الرسمية بالتعاون مع ورش عمل الآلية رفيعة المستوى لمحاربة التدفقات المالية غير المشروعة أن إجمالي المبالغ تجاوز أربعة وستين مليار دولار وأشارت التقارير الدولية الصادرة عن منظمات الشفافية العالمية ومنظمة النزاهة المالية الدولية الى أن النظام البائد اتبع نمطاً من الفساد المؤسسي المنظم شمل اخفاء وتزوير فواتير الصادرات الحيوية حيث أثبتت التحقيقات الدولية أن نظام الحركة الاسلاموية اخفى ما يقارب واحداً وثلاثين مليار دولار من قيمة الصادرات السودانية الفعلية خلال الفترة من عام الفين واثني عشر وحتى عام الفين وثمانية عشر فقط وذلك عن طريق إحداث تلاعب وفجوات ضخمة بين أرقام الصادرات المعلنة داخلياً وقيمتها الحقيقية المسجلة في الأسواق الدولية بجانب منح البنوك المحلية تمويلات فلكية بدون ضمانات لنافذين هربوها مباشرة إلى حسابات في الخارج فضلاً عن الاستيلاء على أراضٍ وعقارات وقفية وحكومية مميزة داخل العاصمة الخرطوم وتحويلها لصالح قيادات التنظيم.
إن هذا الثراء الفاحش والامبراطوريات المالية التي بناها الحزب الفاسد باسم الدين كانت هي المحرك الاساسي خلف إشعال الحرب المدمرة في السودان حيث سعى قادة النظام البائد عبر أذرعهم العسكرية والامنية وشركاتهم التي لا تزال تعمل إلى تحويل مسار الانتقال الديمقراطي وإشعال الصراع المسلح كخيار أخير لحماية مصالحهم الاقتصادية والإفلات من الملاحقات القضائية واسترداد سلطتهم المفقودة مدعين زوراً وبهتاناُ أنهم يقاتلون من اجل الشعب السوداني بينما الهدف الحقيقي هو العودة الى سدة الحكم من بوابة الحرب وإعادة انتاج نظام الفساد الذي دمر مقدرات البلاد وأفقر اهلها لسنوات طويلة.



